في زوايا خيام النزوح جنوب قطاع غزة، حيث تتآكل الأيام تحت وطأة الجوع والفقد والخوف، تجلس نساء أنهكتهن الحرب وأثقلتهن أسماء الغائبين، ينسجن بخيوط الصوف ما يشبه المعجزة الصغيرة؛ محاولة عنيدة لترميم الحياة من حطامها الأخير.
هناك، لا تبدو الحياكة فعلاً يدوياً عابراً، بل طقس نجاة يومي تمارسه أرامل خرجن من تحت ركام الإبادة بأطفال يتامى وقلوب مثقلة بالموت، فحوّلن الإبرة إلى وسيلة مقاومة، والخيط إلى حبل نجاة يحفظ ما تبقى من كرامة العائلة الفلسطينية المحاصرة بين الفقد والعوز.
تقول أماني حمادة، وهي أرملة فلسطينية تعمل في المشغولات اليدوية داخل أحد مخيمات النزوح، لـ"وكالة سند للأنباء": "استشهد زوجي خلال الحرب عام 2024، وترك لي ستة أطفال، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الأم والأب معاً، والمسؤولة الوحيدة عن حياة كاملة تتكئ عليّ".

وتضيف بصوت تختلط فيه الصلابة بالإنهاك: "طول الحرب دفعني للبحث عن عمل أستطيع ممارسته قرب خيمتي وبجانب أطفالي".
داخل المخيم، خضعت أماني برفقة ثلاثين امرأة لدورة تدريبية في فن الكروشيه، تعلمن خلالها أساسيات الحياكة، قبل أن تبدأ كل واحدة رحلتها الفردية في تطوير مهاراتها عبر الإنترنت ومقاطع الفيديو التعليمية.
وتوضح أماني أن النساء شرعن في إنتاج اللفحات والطواقي وأغلفة المصاحف والمزهريات والمداليات، وصولاً إلى صناعة خرفان العيد للأطفال، وكأنهن يحاولن، وسط هذا الخراب، أن يحيكن للطفولة ما تبقى من ملامح الفرح المؤجل.
ولم تكن حياة الأرامل في غزة، حتى قبل الإبادة، حياةً رخية أو مستقرة، لكنها كانت تستند إلى شبكة هشة من المؤسسات الخيرية التي توفر الحد الأدنى من الكفالة والرعاية للأيتام والأسر الفقيرة.

غير أن الحرب الأخيرة لم تكتفِ بقتل الأزواج وتوسيع خرائط اليتم، بل أطاحت كذلك بما تبقى من البنية الاجتماعية والإنسانية التي كانت تمنع العائلات المنكوبة من السقوط الكامل في هاوية الحاجة.
وقال وكيل وزارة التنمية الاجتماعية المساعد رياض البيطار، في تصريح سابق، إن حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023، أدت إلى ارتفاع عدد الأيتام إلى 64.616 يتيما، من بينهم 55.157 يتيما فقدوا معيلهم خلال الحرب
وأكد أن عدد الأرامل بغزة بلغ 47 ألفاً و19 أرملة، واصفاً هذه الأرقام بأنها مفزعة وتعكس الحجم الحقيقي للتداعيات الاجتماعية والإنسانية التي أنتجتها الحرب الإسرائيلية على القطاع.

وأوضح البيطار أن عدد الأرامل بعد الحرب وحدها بلغ 26 ألفاً و370 أرملة، مقارنة بـ20 ألفاً و649 قبلها.
ولفت إلى أن محافظة غزة تصدرت عدد الأرامل بنسبة 37.8 %، تلتها شمال غزة بنسبة 22.5%، ثم خان يونس بنسبة 18.3%، فالمنطقة الوسطى بنسبة 13.2 %، ورفح بنسبة 8.2 %.
وبيّن أن ما يضاعف خطورة هذه الأرقام أن الغالبية الساحقة من الأرامل تقع ضمن الفئة العمرية المنتجة بين 19 و59 عاماً بنسبة 84.6 %، فيما بلغت نسبة الأرامل فوق 60 عاماً نحو 14.9%، و0.4 % تحت سن 18 عاماً.
