الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 7 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

عيد بطقوس مفقودة.. كيف سرقت الحرب ملامح الأضحى من غزة؟

حجم الخط
عيد الأضحى
غزة – فاتن الحميدي- وكالة سند للأنباء

لم يعد عيد الأضحى المبارك في غزة يشبه العيد الذي تحفظه الذاكرة، فللعام الثالث على التوالي يحل العيد على القطاع مثقلًا بصوت القصف والنزوح، بينما تتساقط طقوسه الواحدة تلو الأخرى تحت وطأة حرب الإبادة المستمرة.

أين أسواق المواشي التي تعج بالمشترين وأصوات الخراف؟ وأين الأطفال الذين يركضون خلف الأضاحي بضحكاتهم المعتادة؟ كما غابت "كبدة الأضحية" عن موائد الصباح، وغابت معها رائحة "الفتة الغزاوية" وخبز "الشراك" الذي كانت الأمهات يجهزنه منذ ساعات الفجر الأولى.

حتى الكعك والحلويات، التي كانت تُخبز في البيوت وتعلن اقتراب العيد، أصبحت عبئًا ثقيلًا في ظل الغلاء وانعدام الإمكانيات، خصوصًا داخل خيام النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات الطهي والحياة.

حتى المقابر التي كانت وجهة أولى صباح العيد لقراءة الفاتحة على أرواح الراحلين، لم تعد كما كانت؛ فالموت في غزة صار أكبر من قدرة الناس على الوداع، وأقسى من أن يُختصر بزيارة عابرة.

وبين الخيام والركام، يحاول أهالي قطاع غزة استحضار ما تبقى من ملامح العيد، لكن الحرب التي التهمت البيوت والأحبة بدت وكأنها تلتهم أيضًا ذاكرة الفرح نفسها، تاركة عيدًا باهتًا بلا طقوس، وبلا أصوات، وبلا تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تجعل للحياة معنى، ولو لأيام قليلة.

لمة العائلة على الأضحية

"ياه على عيد واحد يرجع علينا في بيتنا"، بهذه الكلمات تبدأ الشابة خلود اعطيش استذكار بهجة عيد الأضحى قبل حرب الإبادة، وتقول: "كان بيتنا في عيد الأضحى يمتلئ بالكبار والصغار، وكلنا ننتظر لحظة ذبح العجل بفرح يشبه العيد نفسه".

وتستحضر "اعطيش"، في حديثها لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، بعضًا من الذكريات التي ما زالت تسكن الروح، قائلة: "كانت أمي تصرّ على تحضير شيء من اللحم في أول يوم؛ فتة، أو كرش، أو لحم مقلي مع السلطات والمقبلات".

وتتابع: "كنا نوزّع اللحمة على الفقراء والجيران، ونستقبل الأقارب طوال اليوم، وكان الأطفال يعيشون بهجة خاصة وهم يحملون أكياس اللحمة ويوزعونها على البيوت".

وتضيف بصوت يثقله الحنين: "كل ذلك اختفى. الطقوس التي كبرنا عليها اختفت تمامًا مع الحرب. لا أضاحي في غزة، وإن وُجدت فأسعارها خيالية، تضاعفت عشرات المرات، بشكل يفوق قدرة أي عائلة نازحة أو جائعة".

وتردف: "والأشد قسوة أننا، وللعام الثالث على التوالي، نقضي عيد الأضحى داخل خيام النزوح في دير البلح، بلا أضحية، بلا زيارات، وبلا تلك التفاصيل التي كانت تجعل العيد حيًا في قلوبنا".

وتتفق السيدة سوسن أبو عودة مع "اعطيش"، مؤكدة أن الطقس الأهم في عيد الأضحى "قد اختفى وتلاشى"، من أجواء الأضحية، وتحضير فطور العيد والغداء، والتحضير لشواء اللحم على "كورنيش" غزة، الذي صار الآن يعج بخيام النازحين وسط دمار مهول.

وتشير إلى أن أسعار اللحوم حاليًا تفوق المعقول، ولا يتسنى للعائلة الواحدة أن تشتري ما يُشعرها ببهجة العيد، إذ إن سعر كيلو اللحوم المجمّدة من العجل قد تجاوز 50 شيكلًا، والكيلو من الضأن فاق 80 شيكلًا، بينما بالكاد تجد عائلات غزة بعض النقود لسد رمق أطفالها.

زيارة القبور

ولا يختلف حال رولا عليوة (30 عامًا) عن ضيفتينا السابقتين، إذ تصف بعضًا من تفاصيل اليوم الأول للعيد كل عام، قائلة: "كل سنة، كان والدي يأخذنا يوم الوقفة أو أول أيام العيد لزيارة قبور أقاربنا".

وتتابع بحسرة: "كانت عمّاتي يرافقنه، ونقرأ الفاتحة وندعو لهم، ثم نوزّع جزءًا من الأضحية أو الصدقات على الناس الذين يزورون قبور أهلهم. رغم الحزن، كان للمكان رهبة وطمأنينة، وكأن العيد لا يكتمل إلا بتذكّر من رحلوا".

وبعد تنهيدة طويلة، تستكمل حديثها لمراسلة "وكالة سند للأنباء": "اليوم، وللعام الثالث، اختفى هذا الطقس تمامًا. نحن نعيش النزوح في النصيرات وسط قطاع غزة منذ سنتين ونصف، ولم نعد قادرين حتى على الوصول إلى المقبرة. نفسي أرجع على بيتي.. هذه أمنيتي".

وتشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي جرّف أجزاءً من المقبرة شرق حي الشجاعية، فيما أصبحت المنطقة كلها ضمن ما يُسمى "الخط الأصفر"، مضيفة: "الاقتراب منها يعني الموت".

"وين العيدية؟"

أما السيد سامر عياد (47 عامًا)، فيُحدّث مراسلتنا عن "العيدية" التي كانت من أبسط الأشياء القادرة على رسم الفرحة على وجوه الأطفال، إذ اختفت هي الأخرى.

يقول "عياد": "مع شح السيولة وغياب الفكة من الأسواق، وعدم تقاضي الرواتب، صار كل شيء يعتمد على التحويلات أو التطبيقات الإلكترونية، بينما الأطفال بحاجة لأن يمسكوا النقود بأيديهم، ليشتروا الحلوى والألعاب ويركبوا المراجيح كما كنا نفعل نحن".

ويتساءل: "أنا كيف بدي أعطي طفل صغير ما عنده محفظة ولا حساب بنكي عيدية؟ شو يقنعه إني إذا حولت لأمه عيدية إني عيدته؟".

ويضيف: "في السابق، كان الأطفال ينتظرون العيدية بلهفة أكبر من انتظار ملابس العيد أحيانًا، يخبئونها في جيوبهم ويفكرون كيف سينفقونها طوال أيام العيد. اليوم، حتى هذه البهجة الصغيرة تلاشت".

ذاكرة العيد.. كعك وحلويات

ولطالما ارتبط العيد في غزة برائحة الكعك والحلويات التي كانت تملأ البيوت قبل أيام من قدومه. وكانت الأمهات يجتمعن لتحضير الكعك، ويتحول الخَبز إلى طقس عائلي مليء بالفرح والضحكات، لكن اليوم "تغيّر كل شيء".

تقول السيدة "أم أنس" إن أسعار المكونات ارتفعت بشكل هائل، وكثيرًا من العائلات لم تعد قادرة حتى على توفير أبسط الاحتياجات لصنع الكعك.

وتضيف لمراسلتنا: "حتى إن توفرت بعض الإمكانيات، فإن الحياة داخل خيام النزوح تجعل إعداد الكعك مهمة شاقة جدًا. الغاز شحيح، والخَبز يحتاج جهدًا مضاعفًا في ظروف قاسية لا تشبه البيوت ولا تمنح أي مساحة للراحة".

وتتابع: "أما حلويات العيد والشوكولاتة التي كانت تفرح الأطفال، فأصبحت أسعارها مرتفعة بشكل يفوق قدرة معظم العائلات، وكأن الحرب لم تترك شيئًا من ملامح العيد إلا وأثقلته بالعجز والحرمان".

"ساق الله على لمة العيلة وزيارة الأقارب"

وعن "اللمة الحلوة وضحكة العيلة"، يتذكر الشاب أحمد حمد زيارات الأقارب التي كانت جزءًا أساسيًا من فرحة العيد، ويقول: "كنا ننتقل من بيت إلى آخر، نجتمع، نضحك، ونتبادل التهاني، وكأن العيد فرصة لترميم الروابط ولمّ العائلة حول بعضها".

ويستدرك في حديثه لمراسلة "وكالة سند للأنباء": "لكن الحرب فرّقت الجميع؛ بعض أقاربنا استشهدوا، وآخرون نزحوا إلى مناطق بعيدة، ولم يعد الوصول إليهم ممكنًا كما كان".

ولا يقتصر الحال على ذلك فحسب، يقول أحمد: "حتى المواصلات أصبحت عبئًا كبيرًا وسط غلاء الأسعار وصعوبة التنقل بين المناطق المدمرة والخطيرة وطول المسافات".