لم تكن هنادي طه سكيك تكتب كتاباً بقدر ما كانت تجمع ما تبقى من عائلتها بين الصفحات. فالأخصائية الاجتماعية والمستشارة الأسرية التي خرجت من تحت أنقاض منزل عائلتها في غزة، بعدما فقدت والدتها وزوجها وابنها وزوجته وأحفادها وأشقاءها وعشرات من أحبائها، وجدت نفسها وحيدة أمام سؤال ثقيل: كيف يمكن للإنسان أن يواصل الحياة بعدما يُنتزع منه كل شيء دفعة واحدة؟
وفي كتابها "بأي ذنب هدمت؟"، لا تكتفي "سكيك" بسرد قصة فقدان عائلتها التي أُبيد معظم أفرادها تحت أنقاض منزل استهدف خلال الحرب على قطاع غزة، بل تقدم شهادة إنسانية توثق تجربة شخصية تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية الفلسطينية.
تقول سكيك لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الكتاب وُلد من رحم الألم، ومن الحاجة إلى حفظ أسماء أحبائها وملامحهم وقصصهم من الغياب، بعدما وجدت نفسها الناجية شبه الوحيدة من عائلة كبيرة كانت تملأ المكان حياة.
رحلة نزوح انتهت بمجزرة عائلية
بدأت معاناة سكيك منذ الأيام الأولى للحرب، حين دُمّر منزلها في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما اضطرها وعائلتها إلى النزوح بحثاً عن الأمان.
وتوضح أن العائلة انتقلت أولاً إلى منزل ابنها، لكن القصف العنيف الذي استهدف المنطقة المحيطة به أجبرهم على المغادرة مجدداً نحو منزل والدها، معتقدين أنه سيكون أكثر أمناً.
غير أن المأساة الكبرى وقعت في الثالث عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، عندما استُهدف المنزل الذي كان يضم نحو 50 فرداً من العائلة.
وتستذكر سكيك تلك اللحظات قائلة: "في ثوانٍ تحول المنزل إلى ركام، وفقدت والدتي وزوجي وابني وزوجته وأحفادي وعدداً من أشقائي وأبناء أشقائي وأقارب آخرين، فقدت 22 شخصاً من عائلتي دفعة واحدة".
وتضيف أن الناجين من العائلة كانوا قلة قليلة، فيما اختفت عائلة كاملة تقريباً تحت الأنقاض.

الخروج من تحت الركام
لم تكن النجاة نهاية المأساة بالنسبة لسكيك، بل بداية فصل آخر من المعاناة، فقد أُخرجت من تحت الركام وهي مصابة وتعاني من صدمة نفسية وجسدية شديدة، ونُقلت إلى مستشفى المعمداني لتلقي العلاج.
وتقول إن الحرب لاحقتها حتى داخل المستشفى، إذ اضطرت إلى مغادرته بعد ساعات قليلة بسبب التهديدات التي طالت المرافق الصحية، لتجد نفسها جريحة ومشرّدة في الوقت ذاته، فيما كانت تتابع بقلق مصير ابنها الطبيب المحاصر داخل مستشفى الشفاء.
الكتابة كوسيلة للنجاة
بعد أشهر من الصمت ومحاولات استيعاب ما حدث، قررت سكيك أن تكتب، وفي السابع من يناير/كانون الثاني 2024 بدأت بتدوين تجربتها، ليس بهدف تسجيل قصة شخصية فحسب، وإنما لتوثيق مرحلة كاملة من الألم الإنساني الذي عاشه الفلسطينيون في غزة.
وتؤكد أن الكتابة تحولت بالنسبة لها إلى وسيلة للبقاء ومواجهة الفقد، مضيفة: "شعرت أن عليّ أن أحفظ الوجوه والأسماء والذكريات من الضياع، وأن أوثق ما جرى قبل أن تبتلعه الأيام".

سبعون سؤالاً في مواجهة الفقد
اعتمدت سكيك في بناء كتابها على سبعين سؤالاً تصفها بأنها أسئلة وُلدت من قلب التجربة، ومن بين هذه الأسئلة: "هل يشعر البيت بالخوف قبل أن يُقصف؟"، و"ماذا يعني أن ينهدم البيت وننجو؟"، "وهل كل من نجا تعافى؟".
وترى أن هذه التساؤلات لا تبحث عن إجابات بقدر ما تحاول فهم ما لا يمكن فهمه، وإيجاد لغة قادرة على وصف الخسارة حين تصبح أكبر من الكلمات.
وفي أحد أكثر مقاطع الكتاب تأثيراً، تكتب: "شعرت بخوف البيت يرتجف في صدري قبل أن يُهدم، وفي تلك الليلة رتبت قلبي قبل أن أرتب بيتي، ولم أكن أعلم أن الغد سيأتي بلا بيت".
من السيرة الشخصية إلى التوثيق الإنساني
ورغم انطلاق الكتاب من تجربة ذاتية مؤلمة، إلا أنه يتجاوز حدود السيرة الشخصية ليقدم توثيقاً واسعاً للآثار التي خلفتها الحرب على المجتمع الفلسطيني.
وبحكم تخصصها في الخدمة الاجتماعية، تتناول سكيك التداعيات النفسية والاجتماعية للحرب، وما تسببه من انهيار في الشعور بالأمان وتغيرات عميقة في العلاقات الأسرية والمجتمعية.
ورصدت معاناة الأطفال والأمهات والأيتام والأرامل، وتسلط الضوء على الصدمات الممتدة التي تستمر آثارها حتى بعد توقف القصف.

قراءة في الإعلام والحرب
ويخصص الكتاب مساحة لتحليل الخطاب الإعلامي والسياسي الذي رافق الحرب، متوقفاً عند تأثير المصطلحات المستخدمة في تشكيل وعي الجمهور تجاه الأحداث.
وتناقش سكيك كيف يمكن لبعض المفردات أن تُعيد صياغة صورة الضحية والجاني، وأن تخفف من وقع الانتهاكات عبر توصيفات تبدو أقل حدة من الواقع الذي يعيشه المدنيون.
توثيق للخسائر ومعاناة الأسرى
ويتناول الكتاب كذلك أوضاع الأسرى الفلسطينيين وما يتعرضون له من اعتقال وتعذيب وعزل وتجويع، مستنداً إلى شهادات ووثائق مختلفة.
وفي فصوله الأخيرة، يقدم الكتاب توثيقاً رقمياً للخسائر البشرية والمادية التي خلفتها الحرب، عبر بيانات وإحصاءات جمعتها الكاتبة من مؤسسات وجهات رسمية مختلفة، في محاولة لحفظ الذاكرة الجماعية من النسيان.


