يستمر الجدل بشأن حقيقة وقف إطلاق النار المعلن في قطاع غزة، في ظل تعمد الاحتلال الإسرائيلي تحويل الاتفاق إلى مجرد إطار شكلي لا يوقف فعلياً معاناة الفلسطينيين، باستمرار الهجمات العسكرية والقيود الإنسانية وتوسيع السيطرة الميدانية داخل القطاع.
فبعد أشهر من إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بوساطة أمريكية، يرى مراقبون أن الواقع على الأرض يكشف فجوة واسعة بين النصوص المعلنة والتنفيذ العملي، إذ لم يتحول الاتفاق إلى نهاية حقيقية للحرب، بل إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع بوتيرة مختلفة.
وأبرز تقرير نشره موقع "ذا إنترسبت" الأمريكي، أن الهجمات الإسرائيلية بعد إعلان وقف إطلاق النار أدت إلى قتل أكثر من ألف فلسطيني في غزة، ما أثار تساؤلات حول معنى الهدنة في ظل استمرار سقوط الضحايا واستمرار العمليات العسكرية.
وأكد الموقع أن مصطلح "وقف إطلاق النار" بات يستخدم بطريقة تمنح انطباعاً بوجود نهاية للحرب، بينما تستمر على الأرض سياسات القصف والضغط الإنساني والسيطرة العسكرية، لكن بصورة أقل كثافة من مراحل الحرب المفتوحة.
اتفاق فارغ على الورق
اعتبر الباحث الفلسطيني الأمريكي طارق كيني-شاوا أن اتفاق وقف إطلاق النار تحول إلى "اتفاق فارغ على الورق"، مشيراً إلى أن المطالبة بوقف الحرب نجحت في حشد الرأي العام، لكنها سمحت لاحقاً بتمرير صيغة لا تضمن وقفاً كاملاً للانتهاكات أو معالجة جذور الأزمة.
ويشير إلى أن دولة الاحتلال استفادت من تراجع الاهتمام الدولي بغزة عقب إعلان الهدنة، خصوصاً مع انتقال التركيز الإعلامي والسياسي إلى ملفات إقليمية أخرى، بينما بقي الفلسطينيون داخل القطاع يواجهون تداعيات الحرب والحصار.
ولفت إلى أن أخطر ما في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار هو انتقال الحرب من نمط العمليات الواسعة إلى سياسة الاستنزاف التدريجي، حيث يستمر سقوط الضحايا، وتتواصل القيود المفروضة على الحياة اليومية، لكن بعيداً عن مستوى الاهتمام العالمي الذي رافق ذروة الحرب.
وبحسب هذه القراءة، فإن وقف إطلاق النار لم ينهِ الأزمة الإنسانية، إذ بقي دخول المساعدات مرتبطاً بقيود إسرائيلية، فيما لا تزال الاحتياجات الأساسية لإعادة الحياة إلى القطاع، مثل مواد البناء والمعدات والخدمات الضرورية، تواجه عراقيل كبيرة.
كما أن دولة الاحتلال تستغل الاتفاق لترسيخ وقائع ميدانية جديدة داخل غزة، من خلال استمرار السيطرة على مناطق واسعة، وتوسيع ما يعرف بالمناطق العازلة، بما يؤدي إلى تقليص المساحات المتاحة أمام السكان الذين يعيشون أصلاً ظروفاً إنسانية قاسية.
خطر تخفيف الضغوط الدولية
يرى مراقبون أن ما يجري يعكس نموذجاً سبق أن استخدمته دولة الاحتلال في محطات سابقة، حيث تتحول فترات الهدوء العسكري النسبي إلى مراحل لإعادة ترتيب الواقع السياسي والميداني بدلاً من أن تكون مقدمة لإنهاء الاحتلال أو معالجة أسباب الصراع.
وتزداد المخاوف من أن يؤدي وصف المرحلة الحالية بأنها "وقف إطلاق نار" إلى تخفيف الضغوط الدولية على تل أبيب، رغم استمرار معاناة المدنيين، إذ يرى حقوقيون أن أي اتفاق لا يضمن وقفاً كاملاً للهجمات ورفع القيود الإنسانية يبقى مجرد إدارة للأزمة وليس حلاً لها.
كما يحذر محللون من أن ربط مستقبل غزة بترتيبات أمنية وسياسية جديدة دون معالجة آثار الحرب وحقوق السكان قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع، خصوصاً في ظل استمرار الخلافات حول الانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة الإعمار ومستقبل إدارة القطاع.
وتؤكد أصوات فلسطينية أن إنهاء الحرب لا يمكن اختزاله في إعلان وقف إطلاق نار فقط، بل يجب أن يرتبط بضمانات واضحة تشمل وقف العمليات العسكرية، وفتح مسارات الإغاثة، وإنهاء السياسات التي أدت إلى الانهيار الإنساني.
وبينما تحاول دولة الاحتلال تقديم المرحلة الحالية باعتبارها انتقالاً نحو الاستقرار، يجمع المراقبون على أن الواقع داخل غزة يقدم صورة مختلفة، حيث يعيش السكان بين آثار الدمار ونقص الاحتياجات الأساسية واستمرار حالة عدم اليقين.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع "ذا إنترسبت" أضغط هنا
