بعيدًا عن عدسات الكاميرات ونشرات الأخبار العاجلة، تتواصل في المسجد الأقصى المبارك، بمدينة القدس المحتلة، سياسات إسرائيلية متدرجة تهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض.
فبينما ينشغل العالم بتطورات الأحداث الكبرى، تتصاعد إجراءات التضييق على المصلين من خلال القيود على الدخول، والإبعادات المتكررة، وتشديد الوجود الأمني داخل باحات المسجد الأقصى ومحيطه.
ويرى مختصون أن هذه الإجراءات، التي غالبًا ما تمر دون تغطية إعلامية واسعة، تشكل جزءًا من عملية تغيير متراكمة تستهدف الوضع القائم في المسجد الأقصى.
المرحلة الأصعب على الأقصى..
الباحث في شؤون القدس، جمال عمرو، يقول إن المسجد الأقصى يمر بواحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث. معتبرًا أنه دخل "نفقًا جديدًا" من التضييق والتقييد، وضعه في مرحلة شديدة الحساسية.
ويوضح عمرو، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن إجراءات التضييق لم تُفرض دفعة واحدة، بل نُفذت بصورة متدرجة وهادئة، مستهدفة مختلف مكونات المسجد من ساحاته ومصاطبه ورواده وأنشطته الدينية والاجتماعية.
وتطرق ضيفنا إلى ما وصفه بسياسة "عدم اليقين اليومي" التي ينتهجها الاحتلال في المسجد الأقصى، موضحًا أنه يتعمد تجنب وضع قواعد ثابتة وواضحة لدخول المصلين أو استخدام أبواب المسجد، بحيث يبقى المقدسيون في حالة ترقب مستمرة، لا يعرفون من سيُمنع من الدخول في اليوم التالي أو أيُّ الأبواب ستُغلق أمامهم.
ويؤكد أن هذا التغيير المستمر في الإجراءات لا يحدث بصورة عشوائية، بل يندرج ضمن سياسة مدروسة تهدف إلى استنزاف المقدسيين نفسيًا وإرهاقهم، وتحويل الوصول إلى المسجد وأداء الصلاة فيه إلى تحدٍّ يومي دائم.
ويرى عمرو أن ما يُقدَّم أحيانًا على أنه تسهيلات في المسجد الأقصى لا يعدو كونه "خديعة شكلية"، إذ يتراجع الاحتلال عن بعض مظاهر العنف العلنية أمام الكاميرات، ويفتح الأبواب أمام أعداد أكبر من المصلين، لكنه في المقابل يلجأ إلى ما يصفه بـ "العزل الصامت"، عبر إصدار عشرات أوامر الإبعاد الإداري بحق المرابطين وحراس الأقصى والوجوه الفاعلة فيه، بما يؤدي تدريجيًا إلى تفريغ المسجد من أبرز المدافعين عنه وتقليص الحضور المؤثر داخله.
تقليص الحضور الفلسطيني..
ويشير الباحث في شؤون القدس إلى أن العديد من الفعاليات التي كانت تعزز الحضور الفلسطيني داخل الأقصى توقفت، بما في ذلك حملات "شد الرحال" التي كانت تُنظم لنقل المصلين من المدن والبلدات الفلسطينية إلى القدس.
ولا تقتصر القيود، بحسب عمرو، على الأنشطة الدينية فحسب، بل تمتد إلى الجوانب الإدارية والقانونية، حيث تعرض عدد من موظفي الأوقاف وحراس المسجد لقرارات إبعاد متكررة، ما حدَّ من قدرتهم على أداء مهامهم الميدانية.
وشهدت الآونة الأخيرة توسعًا في أداء الطقوس والشعائر الدينية اليهودية داخل باحات المسجد، إلى جانب تصاعد المطالب الرامية إلى توسيع نطاق الدخول إلى المسجد والأوقات المخصصة للزيارات، بما يعزز الحضور الإسرائيلي داخله.
ويؤكد "ضيف سند" أن جانبًا كبيرًا من هذه الإجراءات يجري بعيدًا عن التغطية الإعلامية، في ظل تضييق طال التواجد الإعلامي الفلسطيني في القدس والبلدة القديمة.
ويضيف أن الفلسطينيين يوثقون أحيانًا بعض الممارسات اليومية داخل المسجد، فيما يواجه من يعترض على الإجراءات أو يحاول تحديها خطر التحقيق أو الإبعاد لفترات قد تمتد لأشهر، وتتجدد بصورة متكررة، وقد تشمل الإبعاد عن البلدة القديمة بأكملها.
صلاحيات بيد الاحتلال..
وفي السياق، يرى ضيفنا أن معظم الصلاحيات الفعلية داخل المسجد أصبحت بيد شرطة الاحتلال والأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
وكانت الأوقاف الإسلامية في القدس تتمتع سابقًا بهامش أوسع في إدارة شؤون المسجد، من خلال أعمال الإعمار والترميم والمتابعة اليومية وتوثيق الانتهاكات، إلا أن هذه الأدوار تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وفق "عمرو".
ويُبيِّن أن دور الأوقاف والوصاية الأردنية "بات محدودًا"، واقتصر إلى حد كبير على الجوانب الإدارية المتعلقة بالموظفين، دون القدرة على تنفيذ مشاريع إعمار أو ترميم أو إحداث تغييرات جوهرية داخل المسجد.
كما انعكس حظر الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، وفق عمرو، على البرامج والأنشطة المرتبطة بالمسجد الأقصى، ما أدى إلى تراجع مظاهر الرباط وتوقف العديد من حلقات العلم والدروس والمحاضرات التي كانت تُعقد بشكل منتظم في ساحاته ومصاطبه.
"جبل الهيكل"..
وعززت سلطات الاحتلال منظومة المراقبة داخل المسجد ومحيطه من خلال الكاميرات ووسائل الرصد المختلفة، الأمر الذي أتاح متابعة الأنشطة والتحركات بشكل دائم، وضيّق هامش الحركة داخل الأقصى، وفقًا لما ذكره عمرو.
وفي المقابل، تعمل جهات إسرائيلية بشكل موازٍ للأوقاف الإسلامية فيما يتعلق بإدارة ملف ما يُعرف بـ "جبل الهيكل"، وتنشط في تنظيم فعاليات مرتبطة بالمناسبات والأعياد اليهودية.
ويرى جمال عمرو أن هذه الجهات تسعى إلى تعزيز حضور الجماعات الداعية إلى توسيع النشاط الديني اليهودي داخل المسجد الأقصى، في ظل دعم سياسي من شخصيات ووزراء في الحكومة الإسرائيلية.
تغييرات على جميع الأصعدة..
من جانبه، يرى الباحث المختص بشؤون القدس محمد هلسة أن المسجد الأقصى يشهد تغيرات متسارعة في الواقع الميداني تصب، من وجهة نظره، في مصلحة الرواية الإسرائيلية، مستفيدة من حالة الضعف والصمت العربي والإسلامي تجاه ما يجري في القدس.
ويوضح هلسة لـ "وكالة سند للأنباء" أن الأدوات المستخدمة لفرض هذه التغييرات تتوزع بين الإجراءات الأمنية والسياسات الإدارية والتشريعية، إلى جانب ممارسات ميدانية فردية تسهم في فرض مزيد من القيود على الفلسطينيين داخل المسجد ومحيطه.
ويرى أن سياسة التضييق المفروضة على المسجد الأقصى تقوم على أربعة مستويات متداخلة؛ يتمثل الأول في الحصار الجغرافي عبر الحواجز والإجراءات التي تعزل القدس عن محيطها الفلسطيني وتحد من وصول المصلين من الضفة الغربية.
أما المستوى الثاني، فهو الحصار الزمني، من خلال التحكم بأوقات الدخول إلى المسجد وتنظيمها بما يخدم إجراءات الاحتلال داخل باحاته.
ويضيف أن المستوى الثالث يتمثل في الضغط النفسي الواقع على المصلين، عبر إجراءات التفتيش المشددة والاعتقالات والاستدعاءات التي تهدف إلى خلق حالة من الردع والخشية لدى المترددين على المسجد.
فيما يبرز المستوى الرابع في الجانب الإداري، من خلال أوامر الإبعاد المتكررة التي تستهدف المرابطين وحراس الأقصى والناشطين فيه، بما يؤدي إلى إضعاف الحضور الفلسطيني المؤثر داخل المسجد وتقليص دوره في حماية هويته الإسلامية.
ويشير إلى أن السلطات الإسرائيلية تستغل الأوضاع الأمنية والتطورات الإقليمية لفرض إجراءات إضافية تحد من وصول المصلين إلى الأقصى، معتبرًا أن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر خطوات متراكمة تظهر آثارها بمرور الوقت.
ورقة أمام الانتخابات
وتسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى تسريع وتيرة هذه التغييرات، مستندة إلى قناعة لدى بعض أوساط اليمين الإسرائيلي بأن سياسة التدرج لم تعد كافية، وأن الوقت مناسب لفرض وقائع جديدة على الأرض في ظل محدودية ردود الفعل العربية والإسلامية والدولية، على حد قوله.
وبحسب هلسة، فإن "إسرائيل" لم تعد تتعامل مع هذه السياسات بالقدر نفسه من التحفظ الذي كان سائدًا في السابق، بل باتت تتحدث بصورة أكثر وضوحًا عن التغييرات التي تسعى إلى تكريسها داخل المسجد الأقصى، مستشهدًا بزيادة أعداد المستوطنين المشاركين في الاقتحامات واتساع نطاق الأنشطة المرتبطة بها.
ويحذر من أن المرحلة المقبلة قد تشهد خطوات أكثر حساسية، مع استمرار الحديث داخل الأوساط الإسرائيلية عن الانتقال من تكريس التقسيم الزماني إلى فرض أشكال من التقسيم المكاني داخل المسجد الأقصى.
ويرى أن المؤشرات الحالية تثير القلق بشأن مستقبل المسجد، خاصة في ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية وتراجع مستوى ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية، ما قد يفتح الباب أمام مزيد من التغييرات خلال الفترة المقبلة.
