كشف الكاتب والمدير التنفيذي السابق لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" الدولية كينيث روث، عن تحولات متسارعة في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن الحرب الأخيرة على إيران شكّلت نقطة انعطاف جديدة سرعت تراجع التأييد الأمريكي لإسرائيل، ورسخت قناعة متنامية داخل الأوساط السياسية والشعبية الأمريكية بضرورة إنهاء سياسة الدعم غير المشروط التي استمرت لعقود.
وأوضح روث، في تحليل نشرته صحيفة "الغارديان"، أن حرب الإبادة على غزة وما رافقها من اتهامات لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، كانت قد بدأت بالفعل في تغيير المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة، إلا أن انخراط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب ضد إيران، بعد ضغوط مارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أدى إلى تسريع هذا التحول بصورة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب لم تكن دائماً بالمستوى الذي وصلت إليه خلال العقود الأخيرة، مذكراً بأن الولايات المتحدة رفضت في السنوات الأولى بعد قيام إسرائيل إرسال أسلحة إليها، كما أجبر الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور إسرائيل على الانسحاب من سيناء عام 1957، قبل أن تتغير المعادلة بعد حربي عامي 1967 و1973، عندما أصبحت "إسرائيل" بالنسبة لواشنطن حليفاً استراتيجياً في مواجهة النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط.
التورط الأمريكي بدعم الفصل العنصري
وبحسب روث، فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل تحول خلال العقود الماضية إلى ما يشبه "المسلمة السياسية" داخل واشنطن، حتى باتت أي محاولة لانتقاد السياسات الإسرائيلية أو مساءلتها تواجه رفضاً واسعاً داخل المؤسسات الأمريكية.
ولفت إلى ذلك ظهر بوضوح عقب صدور تقرير "هيومن رايتس ووتش" عام 2021 الذي وصف النظام الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية بأنه نظام فصل عنصري، إذ قوبل التقرير برفض واسع داخل الولايات المتحدة رغم الاهتمام الدولي الكبير به.
وأضاف أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن واصلت تقديم مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية لإسرائيل، رغم الانتقادات الواسعة للحرب على غزة، واكتفت بإجراءات محدودة مثل تعليق بعض شحنات القنابل الثقيلة، من دون ممارسة ضغوط حقيقية لإجبار الحكومة الإسرائيلية على تغيير سياساتها أو وقف العمليات العسكرية.
تغير المزاج الشعبي الأمريكي
ورأى الكاتب أن المزاج الشعبي الأمريكي بدأ يتغير بصورة واضحة، مستشهداً باستطلاع أجراه مركز "بيو" أظهر أن 60% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بنسبة أقل بكثير قبل سنوات قليلة، فيما ارتفعت نسبة الآراء السلبية بين الديمقراطيين والمستقلين إلى نحو 80%، كما بدأت مؤشرات التراجع تظهر حتى داخل القاعدة الجمهورية، خاصة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً.
وأشار إلى أن هذا التحول انعكس أيضاً على المشهد السياسي الأمريكي، حيث أصبح دعم تل أبيب يمثل عبئاً متزايداً على كثير من المرشحين الديمقراطيين، بعدما كان في السابق شرطاً أساسياً لأي نجاح انتخابي.
كما لفت أن الانتخابات التمهيدية الأخيرة في نيويورك، التي تضم أكبر تجمع لليهود خارج دولة الاحتلال، شهدت انتقادات غير مسبوقة للوبي المؤيد لإسرائيل، مع صعود مرشحين أعلنوا صراحة رفضهم للسياسات الإسرائيلية في غزة ووصفهم لها بأنها تمثل نظام فصل عنصري.
وأكد روث أن الحرب مع إيران عمقت الخلافات بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، بعدما وجد الرئيس الأمريكي نفسه، منخرطاً في حرب لم تحقق أهدافها، وأدت إلى تعقيد المشهد الإقليمي بدلاً من حسمه، فيما خرجت إيران محتفظة بجزء كبير من قدراتها العسكرية والصاروخية، مع استمرار برنامجها النووي، الأمر الذي دفع واشنطن لاحقاً إلى البحث عن تسوية سياسية لتجنب مزيد من التصعيد.
ولفت إلى أن أولويات الطرفين لم تعد متطابقة كما كانت في السابق، موضحاً أن إدارة ترامب أصبحت تركز على تثبيت وقف إطلاق النار وإبرام تفاهمات مع طهران وحماية مصالحها الاقتصادية في الخليج، بينما يواصل نتنياهو الدفع نحو سياسة المواجهة المفتوحة مع إيران وحلفائها في المنطقة.
وأضاف أن هذه الفجوة ظهرت أيضاً في الانتقادات العلنية التي وجهها ترامب لنتنياهو، وفي اعتراضات مسؤولين أمريكيين على محاولات الحكومة الإسرائيلية تقويض المسار التفاوضي مع إيران عبر مواصلة العمليات العسكرية في لبنان.
فشل الحل العسكري
يرى روث أن استمرار الدعم العسكري والسياسي الأمريكي غير المشروط لإسرائيل هو أحد الأسباب الرئيسية التي شجعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مواصلة سياسات الاحتلال والتوسع العسكري.
وشدد على أن إنهاء هذا الدعم الأمريكي سيجبر دولة الاحتلال على إعادة النظر في خياراتها السياسية والأمنية، والاعتراف بأن الحل العسكري الدائم لا يمكن أن يوفر الأمن أو الاستقرار.
وأشار إلى أن تل أبيب نجحت في الماضي في تخفيف التهديدات المحيطة بها عبر اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، وكذلك عبر اتفاقيات أبراهام مع عدد من الدول العربية.
واعتبر أن معالجة جذور الصراع مع الفلسطينيين تبقى المدخل الأساسي لتحقيق سلام دائم، بدلاً من استمرار الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير.
وختم روث تحليله بالتأكيد أن أي تغيير في القيادة الإسرائيلية لن يكون كافياً إذا بقيت السياسات الحالية على حالها، مشدداً على أن التحول الجاري داخل الولايات المتحدة، سواء على مستوى الرأي العام أو داخل المؤسسات السياسية، ينذر بانتهاء مرحلة الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، وبدخول العلاقة بين البلدين مرحلة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة والمساءلة السياسية، بعد عقود من الغطاء غير المحدود الذي وفرته واشنطن لتل أبيب.
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة الغارديان أضغط هنا
