حذّر مسؤولون فلسطينيون من مخطط إسرائيلي ممنهج يستهدف الذاكرة الفلسطينية عبر السيطرة على المواقع الأثرية وتهويدها، مؤكدين أن إعادة تصنيف أكثر من 140 موقعًا أثريًا وخربة تاريخية في محافظة الخليل كمواقع إسرائيلية، ليست سوى حلقة جديدة في مشروع يهدف إلى مصادرة الأرض وسرقة التاريخ في وضح النهار.
وجاءت هذه التصريحات خلال ندوة، حيث قال مدير الدائرة القانونية في لجنة إعمار الخليل توفيق جحشن لـ"وكالة سند للأنباء"، إن اللجنة توجهت إلى محكمة الاحتلال للاعتراض على تصديق لجنة الاعتراضات على الرخصة والاستملاك.
وأكد جحشن، أن اللجنة مدركة أن المنظومة القضائية الإسرائيلية منظومة متطرفة لا تعتمد على القانون، وقد جرى تغييرها مؤخرًا بما يخدم السيطرة على الأماكن الأثرية الفلسطينية.
وأوضح أن هذه القرارات لا تنشئ حقًا أبدًا، موضحًا أن اللجوء إلى محاكم الاحتلال لم يكن بحثًا عن العدالة، وإنما يأتي ضمن ضرورة التحرك القانوني لمواجهة هذه الإجراءات وتوثيقها.
من جانبه، قال وكيل وزارة السياحة والآثار صالح طوافسة لـ"وكالة سند للأنباء"، إن حكومة الاحتلال وضعت خطة ممنهجة تهدف إلى ضم والسيطرة على المواقع الأثرية الفلسطينية، لا سيما تلك الواقعة في المناطق المصنفة "ج".
وأوضح طوافسة أن الاحتلال بدأ بتخصيص موازنات ضخمة لتنفيذ مخطط ضم المواقع الأثرية وتهويدها والسيطرة عليها ونهب مدراتها الثقافية، معتبرًا أن هذه الإجراءات تأتي ضمن حملة تستهدف الذاكرة الفلسطينية.
وشدد على أن المواقع الأثرية تمثل جزءًا أساسيًا من الهوية والذاكرة الوطنية الفلسطينية، وتشكل دليلًا على ارتباط الشعب الفلسطيني بهذه الأرض وأحقيته فيها، مؤكدًا أن استهدافها يهدف إلى ضرب الرواية التاريخية الفلسطينية.
وكشف مدير عام السياحة والآثار في الخليل جبر الرجوب، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قرصنت أكثر من 140 موقعًا أثريًا وخربة تاريخية في المحافظة، وأعادت تصنيفها عبر خرائط الإدارة المدنية" كمواقع أثرية إسرائيلية.
وأوضح الرجوب أن الإدارة المدنية نشرت منتصف حزيران/يونيو الماضي خرائط جديدة تظهر مواقع أثرية مظللة باللون الأصفر، تقع جميعها ضمن المناطق المصنفة "ج".
وأشار إلى أن 62% من إجمالي المواقع الأثرية في محافظة الخليل تقع ضمن نطاق السيطرة الأمنية والمدنية للاحتلال في المناطق "ج"، ما يجعلها عرضة لعمليات التهويد والاستيلاء تحت ذرائع تاريخية مزيفة.
ويأتي هذا التصنيف ضمن مسار أوسع لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على المواقع الأثرية في الضفة الغربية، بعد مصادقة الكنيست بالقراءة الأولى في أيار/مايو 2026 على مشروع قانون قدمه عضو الكنيست عميت هليفي من حزب الليكود، لإنشاء "سلطة آثار إسرائيلية" خاصة بالضفة الغربية.
ويمنح مشروع القانون وزارة التراث الإسرائيلية صلاحيات واسعة للإشراف على المواقع الأثرية، ومصادرة الأراضي المرتبطة بها، وإخضاع إدارة التراث في المناطق "ب" و"ج" للقانون العسكري الإسرائيلي، وهو ما تعتبره المؤسسات الفلسطينية خطوة إضافية لشرعنة الاستيلاء على الأرض والتاريخ معًا.
ويأتي استهداف المواقع الأثرية في الخليل بالتزامن مع استمرار محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة في المسجد الإبراهيمي، أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المدينة، ضمن سياسة تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأماكن ذات الرمزية الفلسطينية.
ويرى مسؤولون فلسطينيون أن السيطرة على المواقع الأثرية لا تستهدف الحجر فقط، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الرواية التاريخية للمنطقة، عبر تحويل المعالم الفلسطينية إلى أدوات لترسيخ الاحتلال وشرعنة وجوده.
وبينما تتواصل إجراءات الاحتلال في الخليل والضفة الغربية، تبقى المواقع الأثرية الفلسطينية في مواجهة مخطط يستهدف محو الذاكرة الجمعية، في محاولة للسيطرة على الأرض عبر السيطرة على تاريخها.
