بين صراع المرض وقسوة الحرب، يخوض آلاف مرضى السرطان في قطاع غزة معركة يومية للبقاء على قيد الحياة، في واقع صحي يزداد انهياراً يوماً بعد آخر.
فبينما يتطلب المرض تشخيصاً مبكراً وعلاجاً منتظماً ورعاية طبية متواصلة، يجد المرضى في غزة أنفسهم أمام منظومة صحية مثقلة بالنقص الحاد في الأجهزة التشخيصية والأدوية والعلاجات التخصصية، ما يحوّل رحلة العلاج إلى صراع مفتوح بين الحياة والموت.
حياة انقلبت في لحظات..
ولم تكن الباحثة الفلسطينية خلود أبو سهمود، تعلم أنها على رحلة مفاجئة مع المرض الذي بدأ بالفتك بجسدها بعد إنجاب طفلتها، لتتحول فرحتها بمولودتها الثانية إلى مأساة للصراع مع السرطان.
واكتشفت "أبو سهمود" المرض بعد فترة قصيرة من ولادة طفلتها الثانية، التي لم يتجاوز عمرها اليوم ثمانية أشهر، مشيرةً إلى أنها تنتظر منذ أشهر الحصول على فرصة للعلاج خارج القطاع، بعد تدهور حالتها الصحية بشكل متسارع.
وفي التفاصيل التي رواها زوجها ممدوح أبو شهلة في حديث له تابعته "وكالة سند للأنباء"، أن بطن زوجته ظلّ منفوخًا بعد الولادة، وبعد سلسلة من الفحوصات دون معرفة السبب، تبين وجود تجمع للسوائل في البطن.
وبعد سحب عينة لتحليلها، كانت النتيجة صادمة، وجود خلايا سرطانية. وبعد إجراء صورة مقطعية تأكدت إصابتها بسرطان في الكبد.
ورغم عدم توفر العلاج المناسب لحالتها، اضطر الأطباء إلى إعطائها العلاج الكيماوي على أمل الحد من انتشار المرض، فتلقت ما يقارب 15 جرعة، لكن لم تستجب حالتها للعلاج، بل تسبب الكيماوي بتساقط شعرها وأظافرها، وأصبحت حركتها بطيئة وتعاني من ضيق شديد في التنفس وانتفاخ مستمر في البطن، ولم تعد قادرة على المشي سوى خطوات معدودة.
لم يقتصر ألم المريضة الأم "أبو سهمود" على المرض وحده، بل تضاعف طيلة 9 شهور بسبب ظروف النزوح التي فرضتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فبدلًا من تلقي الرعاية التي تحتاجها مريضة سرطان، وجدت نفسها تعيش في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
ارتفاع حالات مرضى السرطان..
ويشهد قطاع غزة ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الحالات التي يتم تشخيصها بالإصابة بالسرطان، بينما يؤكد رئيس مركز غزة للسرطان، الدكتور محمد أبو ندى، أن ذلك لا يعكس بالضرورة زيادة مفاجئة في معدلات الإصابة.
ويفسّر "أبو ندى" في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء" أن ذلك يعود إلى تمكن المرضى من الوصول إلى المرافق الصحية بعد أشهر من تعذر التشخيص بسبب ظروف الحرب والنزوح.
وينوه إلى أن الأشهر الأولى من الحرب شهدت وفاة عدد من المصابين بالسرطان دون تشخيص، نتيجة تعذر وصولهم إلى المستشفيات والمراكز الطبية بسبب القصف والنزوح وانهيار الخدمات الصحية.
لكن تحسن القدرة على الحركة نسبيًا في بعض المناطق دفع مزيدًا من المواطنين الذين يعانون من أعراض مرضية إلى مراجعة المراكز الصحية، وهو ما أدى إلى ارتفاع أعداد الحالات المشخصة خلال الفترة الأخيرة، وفق ضيفنا.
ويفيد "أبو ندى" بأن معدل الوفيات بين مرضى السرطان في قطاع غزة يتراوح بين حالتين إلى ثلاث حالات يوميًا. مشيرًا إلى أن عدد الوفيات منذ شهر أكتوبر الماضي بلغ نحو 250 حالة، في حين كان المعدل السنوي قبل الحرب يتراوح بين 400 و500 حالة.
ويبيّن أن النقص الحاد في الأدوية والفحوصات المخبرية والتشخيصية أجبر الطواقم الطبية على التعامل مع المرضى في ظروف بالغة الصعوبة.
ويتابع: "يتم في كثير من الأحيان صرف ما يتوفر من أدوية ثم إعادة المرضى إلى منازلهم لعدم توفر الفحوصات اللازمة أو بروتوكولات العلاج الكاملة، فضلًا عن عدم قدرة العديد منهم على مراجعة المراكز الطبية بشكل منتظم".
ويؤكد "ضيف سند" أن مركز غزة للسرطان يواجه ضغوطًا متزايدة مع استمرار توافد المرضى، في ظل النقص الكبير في الإمكانات الطبية والأدوية.
ويدعو "أبو ندى" إلى تدخل عاجل لتوفير العلاجات الأساسية والفحوصات التشخيصية اللازمة، بما يسهم في إنقاذ حياة المرضى والحد من تفاقم أوضاعهم الصحية.
نقص في الأجهزة والعلاج..
بدوره، يؤكد مدير التمريض في مركز غزة للسرطان التابع لوزارة الصحة، طارق المحروق، إن مرضى السرطان في قطاع غزة يواجهون تحديات بالغة الخطورة تبدأ منذ المراحل الأولى لتشخيص المرض، في ظل النقص الحاد في الفحوصات المخبرية ومستلزماتها، إلى جانب التدهور الكبير في الإمكانات الطبية اللازمة للكشف المبكر عن الأورام.
ويلفت "المحروق" في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، أن القطاع لا يضم حالياً سوى جهازي تصوير طبقي (CT) فقط، أحدهما في مدينة غزة والآخر في خان يونس جنوب القطاع.
ويشدد أن جهازين لا يلبيا الحد الأدنى من احتياجات أكثر من 10 آلاف مريض في قطاع غزة، فضلاً عن غياب أجهزة وتشخيصات طبية متخصصة أخرى تشكل ركيزة أساسية في اكتشاف السرطان ومتابعة تطوره.
كما يعاني القطاع من نقص حاد في الأجهزة الطبية الأساسية اللازمة لتشخيص السرطان ومتابعة المرضى، وفي مقدمتها أجهزة التصوير الطبقي (CT)، وأجهزة تصوير الثدي (Mammogram)، وأجهزة التصوير التلفزيوني (Ultrasound)، الأمر الذي يحدّ بشكل كبير من قدرة الطواقم الطبية على اكتشاف المرض ومتابعته في مراحله المبكرة. وفقاً لـ"المحروق".
ولا يقتصر النقص الطبي على الأجهزة التشخيصية، بل يمتد إلى شحّ خطير في الأدوية والعلاجات، خاصة العلاجات الكيماوية، إلى جانب أصناف أخرى من الأدوية الضرورية لمرضى السرطان، ما يفاقم معاناتهم ويقلص فرصهم في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
ويُشير "المحروق" إلى أن تعطل خدمات التشخيص والفحوصات الطبية أو محدودية الوصول إليها يترك آثاراً بالغة الخطورة على المرضى، إذ يؤدي إلى تأخر اكتشاف الأورام في مراحلها الأولى، ما ينعكس سلباً على فرص العلاج ويرفع معدلات المضاعفات والوفيات.
وتتمثل الاحتياجات العاجلة لقطاع علاج الأورام في توفير العلاجات الكيماوية، والعلاجات التلطيفية والمسكنة، إلى جانب تزويد المستشفيات بالأجهزة الطبية المتخصصة اللازمة للتشخيص والمتابعة، فضلاً عن تسريع إجراءات التحويلات الطبية للمرضى المحتاجين للعلاج خارج قطاع غزة.
تداعيات خطيرة..
إلى ذلك، يحذر "ضيف سند" من التداعيات الخطيرة لتأخر التحويلات الطبية للمرضى المحتاجين للعلاج أو الفحوصات خارج القطاع، مؤكداً أن هذا التأخير يحرم العديد منهم من فرص العلاج في الوقت المناسب، ويؤدي إلى تفاقم حالتهم الصحية بصورة متسارعة.
وتسجل الطواقم الطبية وفق توثيق "مركز الأورام"حالات وفاة بشكل شبه يومي بين مرضى السرطان؛ نتيجة تأخر الإجراءات العلاجية والتحويلات الطبية، الأمر الذي يعمّق الأزمة الإنسانية والصحية التي يعيشها المرضى في قطاع غزة، ويهدد حياة المئات منهم في ظل الانهيار المتواصل للمنظومة الصحية.
وتُلقي الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها سكان القطاع بظلالها الثقيلة على مرضى السرطان، إذ أدى النقص الحاد في الغذاء والاحتياجات الأساسية، إلى جانب النزوح المتكرر والعيش في الخيام وغياب الظروف الصحية الملائمة، إلى تدهور أوضاعهم الصحية بصورة كبيرة.
ويواجه أكثر من 10 ألاف مريض بالسرطان، وفق ضيفنا، ظروفاً علاجية وإنسانية بالغة القسوة، مشيراً إلى أن عدداً منهم فقدوا حياتهم نتيجة تداخل عوامل نقص العلاج، وتأخر التشخيص، وتدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية المستمرة.
