كشف تحقيق صحفي أن شركات عقارية إسرائيلية تنظم معارض في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة لتسويق عقارات مقامة على أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة للمشترين اليهود الأمريكيين، في وقت تتواصل فيه عمليات مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهجير أصحابها لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية.
وأوضح التحقيق أن متظاهرين تجمعوا في منتصف مايو الماضي أمام كنيس يهودي في حي بروكلين بمدينة نيويورك احتجاجاً على معرض عقاري عرض وحدات سكنية في مستوطنات إسرائيلية غير شرعية بالضفة الغربية، استهدف أبناء الجالية اليهودية الأمريكية الراغبين في شراء العقارات داخل المستوطنات.
وأشار إلى أن "حدث العقارات الإسرائيلي الكبير"، الذي نظمته شركة إسرائيلية، جاء ضمن سلسلة معارض أقيمت في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا لاستقطاب المشترين اليهود الناطقين بالإنجليزية، فيما أثار معرض مماثل أقيم في لندن خلال يونيو الماضي انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان وأكثر من مئة نائب بريطاني.
وأضاف أن المعارض روجت لعقارات في مستوطنات معاليه أدوميم، وجفعات زئيف، وكارني شومرون، وكفار إلداد، وهي مناطق تشهد توسعاً عمرانياً متسارعاً بالتزامن مع أوامر إسرائيلية بمصادرة الأراضي الفلسطينية المحيطة بها، ضمن سياسة تهدف إلى ترسيخ السيطرة الاستيطانية على الضفة الغربية.
الترويج للمستوطنات بصيغة استثمارية
لفت التحقيق إلى أن الحملات الإعلانية تستخدم لغة تسويقية تروج للمستوطنات باعتبارها مناطق هادئة قريبة من القدس المحتلة، بينما تخفي وراءها عمليات مصادرة ممنهجة للأراضي الفلسطينية، توسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل مساحات واسعة أعلنتها سلطات الاحتلال "أراضي دولة".
ونقل التحقيق عن إبراهيم عطا الله، من سكان خربة بيت سكاريا، قوله إن سلطات الاحتلال صادرت أرضه المزروعة بالعنب واللوز منذ عام 1984، رغم امتلاكه الوثائق القانونية التي تثبت ملكيتها، مؤكداً أن الفلسطينيين باتوا يُعاملون باعتبارهم عائقاً أمام توسع الكتل الاستيطانية في غوش عتصيون.
وأضاف عطا الله أنه تعرف من خلال الإعلانات العقارية على أوصاف لأراضٍ تشبه أرضه المصادرة، مستذكراً الأيام التي كان يقضيها في زراعة أرضه واستقبال أصدقائه القادمين من القدس، قبل أن تمنعه سلطات الاحتلال من الوصول إليها أو دخول القدس دون تصريح.
وبيّن التحقيق أن العديد من العقارات المعروضة للبيع في الولايات المتحدة تقع داخل مستوطنات تتوسع حالياً فوق أراضٍ فلسطينية تمت مصادرتها، مشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية قررت مطلع العام مصادرة نحو 700 دونم من الأراضي الفلسطينية لتوسيع مستوطنة كارني شومرون ضمن "خطة السقف"، التي تشمل إنشاء ستة آلاف وحدة سكنية جديدة وبنية تحتية واسعة في شمال الضفة الغربية.
وأوضح أن المشروع يهدف إلى مضاعفة عدد سكان مستوطنة كارني شومرون ثلاث مرات وتحويلها إلى مركز حضري استيطاني رئيسي، فيما كانت المستوطنة ضمن المشاريع التي رُوج لها خلال المعارض العقارية المخصصة للمشترين الأمريكيين.
مصادرة واسعة للأراضي الفلسطينية
أشار التحقيق إلى أن مستوطنة معاليه أدوميم استحوذت على الحصة الأكبر من قرارات المصادرة الأخيرة، بعدما صادرت سلطات الاحتلال في فبراير 2024 نحو 2640 دونماً من أراضي بلدتي أبو ديس والعيزرية، في إطار مشروع "E1" الذي يهدف إلى ربط المستوطنة بالقدس عبر إنشاء 3400 وحدة سكنية جديدة، بما يؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين.
وأضاف أن التوسع العمراني في منطقة "طائر الصحراء" أدى إلى تهجير التجمعات البدوية الفلسطينية، ولا سيما قبيلة الجهالين، التي تتعرض منذ أكتوبر 2023 لعمليات إبعاد متواصلة عن مراعيها وأراضيها. ونقل عن عيد جهالين قوله إن السكان فقدوا مراعيهم بعد إغلاق الأراضي والطرق، وما زالوا يتعرضون لهجمات المستوطنين بصورة مستمرة.
وفي شمال غرب القدس، أشار التحقيق إلى تصاعد مصادرة الأراضي في محيط مستوطنة جفعات زئيف بعد صدور أمر عسكري في أبريل 2026 يستهدف أراضي قرية الجيب، ضمن خطة لبناء حي استيطاني جديد يضم 800 وحدة سكنية وشبكة طرق تربط الكتلة الاستيطانية بمدينة القدس.
وأكد الباحث المختص بشؤون الاستيطان خليل تفكجي أن سلطات الاحتلال تستخدم مسارات قانونية معقدة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، تبدأ بإعلانها "أراضي دولة" أو مناطق عسكرية مغلقة، ثم تحويلها إلى سلطة أراضي إسرائيل قبل تأجيرها لشركات التطوير العقاري التي تطرحها للبيع داخل إسرائيل وخارجها.
وأوضح تفكجي أن المشترين لا يمتلكون الأرض نفسها، وإنما يحصلون على حق انتفاع يمتد إلى 99 عاماً قابلاً للتجديد، بينما تبقى الأرض مسجلة باسم الدولة الإسرائيلية، لتتولى شركات العقارات تقسيمها إلى مشاريع سكنية وتسويقها، بما في ذلك عبر معارض تقام في المعابد اليهودية وتستهدف الجاليات اليهودية في الخارج.
وأشار إلى أن قرب المستوطنات من القدس يمثل العنصر الأساسي في الحملات التسويقية، ضمن مشروع "القدس الكبرى"، الذي يهدف إلى ربط الكتل الاستيطانية بالمدينة وإظهارها كضواحٍ طبيعية لها، بما يسهم في ترسيخ المشروع الاستيطاني وتطبيع وجوده في الوعي العام، إلى جانب توفير حوافز اقتصادية وإعفاءات ضريبية وشبكات نقل متطورة لجذب مزيد من المستوطنين.
واختتم التحقيق بنقل شهادة إبراهيم عطا الله، الذي قال إن الصراع لم يعد يتعلق بإثبات ملكية الأرض، بل بمنطق القوة، مؤكداً أن الفلسطينيين يخوضون معركة يعرفون مسبقاً أنهم خاسروها، ومعتبراً أن ما يجري اليوم يمثل امتداداً لسياسة التهجير التي بدأت منذ نكبة عام 1948، وإن اختلفت أدوات تنفيذها.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
