حذرت جمعية أطباء لحقوق الإنسان الإسرائيلية، اليوم الخميس، من انهيار النظام الصحي الفلسطيني في الضفة الغربية، في ظل استمرار "إسرائيل" باحتجاز أموال المقاصة، مؤكدة أن الأزمة المالية المتفاقمة باتت تهدد قدرة المؤسسات الصحية على تقديم الخدمات الأساسية لمئات آلاف الفلسطينيين.
وقالت الجمعية الإسرائيلية، في تقرير جديد، إن احتجاز أموال المقاصة يقوض قدرة السلطة الفلسطينية على تمويل القطاع الصحي، ما أدى إلى تقليص عمل مئات المرافق الصحية، ونقص حاد في الأدوية، وتأخير رواتب العاملين في القطاع.
وأوضح التقرير أن 447 منشأة وخدمة صحية من أصل 590 تابعة لوزارة الصحة الفلسطينية، قلصت ساعات عملها بشكل كبير، لتقتصر في معظم الحالات على يوم أو يومين أسبوعيًا.
فيما واصلت 63% فقط من مراكز الرعاية الصحية الأولية تقديم خدماتها بصورة جزئية خلال عام 2025، مقارنة بالعمل ستة أيام أسبوعيًا قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وأشار إلى أن ديون وزارة الصحة الفلسطينية للمستشفيات الخاصة وشركات الأدوية تجاوزت 1.18 مليار دولار، في وقت تعاني فيه الوزارة من نقص غير مسبوق في الأدوية.
ونفد 160 صنفًا من أصل نحو 1260 دواءً أساسيًا بشكل كامل، بينما لا تكفي مخزونات نحو 600 دواء سوى لأيام معدودة، ولا يتوافر قرابة 250 صنفًا إلا بكميات محدودة.
وأكد التقرير أن هذا الواقع يهدد حياة آلاف المرضى، خاصة المصابين بالسرطان، والفشل الكلوي، والسكري، وأمراض القلب، وغيرهم من أصحاب الأمراض المزمنة، الذين يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على العلاج والرعاية الصحية اللازمة.
وأضاف أن العاملين في القطاع الصحي الحكومي ما زالوا يتقاضون أجزاءً من رواتبهم فقط، وغالبًا بعد فترات تأخير طويلة، ما يزيد من الضغوط الواقعة على المنظومة الصحية.
واعتبر التقرير أن احتجاز "إسرائيل" أموال المقاصة يمثل المحرك الرئيسي للأزمة، موضحًا أن هذه الأموال، التي تجبيها "إسرائيل" نيابة عن السلطة الفلسطينية بموجب بروتوكول باريس الموقع عام 1994، تشكل المصدر الأساسي لتمويل الخدمات العامة، وعلى رأسها القطاع الصحي.
وارتفعت الاقتطاعات الإسرائيلية الشهرية من أموال المقاصة، وفق بيانات البنك الدولي، من نحو 200 مليون شيكل قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى نحو 500 مليون شيكل شهريًا، ما أدى إلى تقليص الأموال المحولة إلى السلطة الفلسطينية بأكثر من النصف.
وأشار التقرير إلى اقتطاع "إسرائيل" بين شباط/ فبراير 2019 وتموز/ يوليو 2024 نحو 3.54 مليارات شيكل بما يعادل 1.17 مليار دولار، أي ما يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني لعام 2023.
وبحسب التقرير، فقد وسعت "إسرائيل"، في حزيران/ يونيو 2026، آلية اقتطاع أموال المقاصة، بما يسمح لها باقتطاع مبالغ تتجاوز قيمة بعض المدفوعات التي تجريها السلطة الفلسطينية، الأمر الذي فاقم الأزمة المالية بشكل غير مسبوق.
ولفت التقرير إلى أن الأزمة تتفاقم بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية والإغلاقات والقيود المفروضة على الحركة في مختلف أنحاء الضفة الغربية، ما يحد من وصول المرضى إلى الخدمات الصحية ويزيد من الضغوط على المرافق الطبية.
وقالت مديرة قسم الأرض الفلسطينية المحتلة في الجمعية، ميلينا أنصاري، إن "إسرائيل تواصل احتجاز الأموال الفلسطينية بينما ينهار النظام الصحي الذي يعتمد عليها للبقاء".
وأكدت أن نتائج هذه السياسة أصبحت واضحة في إغلاق العيادات، واستمرار عمل الأطباء دون رواتب كاملة، ونفاد الأدوية الأساسية، وحرمان المرضى من العلاج.
وأضافت أن استمرار احتجاز الأموال الفلسطينية لم يعد مجرد خلاف مالي، بل أصبح جزءًا من سياسة أوسع تؤثر بشكل مباشر على حياة المدنيين، مؤكدة أن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل التزامات قانونية واضحة تجاه السكان الفلسطينيين.
ودعت "أنصاري" إلى الإفراج الفوري عن أموال المقاصة المحتجزة، مطالبة المجتمع الدولي بالتعامل مع تدهور القطاع الصحي في الضفة الغربية باعتباره حالة طوارئ صحية عامة تستدعي تحركًا عاجلًا.
ويأتي التقرير في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الفلسطينية من خطورة الأزمة المالية، إذ حذر وزير المالية الفلسطيني، اصطيفان سلامة، في 29 تموز/ يوليو الماضي، من توجه "إسرائيل" نحو "تصفير" أموال المقاصة، مؤكدًا أن السلطة الفلسطينية وصلت إلى مرحلة حرجة ماليًا واقتصاديًا في ظل استمرار احتجاز هذه الأموال.
