الساعة 00:00 م
السبت 08 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.05 جنيه إسترليني
4.23 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

حماس: الضفة الغربية تتعرض لجرائم حرب ضد الإنسانية

إصابتان باعتداء للمستوطنين شرقي نابلس

"إسـرائيـل" تنتهك اتفاقيـة التهدئـة في لبنان

عطش الروح في خيام النزوح.. رحلة البحث عن مصحف ورقي بين أنقاض غزة

بالفيديو والصور عطش الروح في خيام النزوح.. رحلة البحث عن مصحف ورقي بين أنقاض غزة

حجم الخط
أزمة توفر المصاحف في غزة
غزة – هداية عصمت حسنين – وكالة سند للأنباء

"بلاقي عندك مصحف ورقي؟ صار إلي سنتين ما مسكت قرآن بإيدي!"؛ بهذه الكلمات المكسورة والمليئة بالعطش الروحي، رجت المواطنة الغزية أسماء عيوش إحدى قريباتها لتنقذ وردها اليومي من القرآن الكريم.

أسماء، التي فقدت منزلها في الأشهر الأولى للحرب وتنقلت بين رحلات نزوح لا تنتهي، وجدت نفسها بلا بيتٍ يلمها، وبلا مصحف يتوسط عتمة خيمتها ليغذي روحها بعدما طحنتها ظروف العدوان.

في المقابل، لم تكن قريبتها صابرين مطر تملك فائضًا من النسخ؛ فالمصاحف باتت نادرة حتى في المنازل التي سلمت من التدمير الكلي. لكنها اقتطعت لأسماء نسخة عزيزة، قائلة بحرص شديد: "ديري بالك عليها، والله ما عندي غير نسختين هالقرآن اللي معي كامل بدون أي نقص بعدد صفحاته، وهادا اللي رفعتلك إياه مع إنه واجهة النسخة مهترئة من ظروف الحرب".

تتأمل صابرين هذه المفارقة المؤلمة في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، قائلة: "كنا نتأمل سابقاً كيف كانت المصاحف تملأ البيوت والمساجد ونوصي بعدم هجرها، واليوم نرجو أن نرى مصحفاً واحداً نلمسه ونقرأ فيه.. تقديم هذه النسخة لأسماء كان بمثابة رد الروح لقلبها".

قصة أسماء وصابرين ليست سوى عيّنة صغيرة لمأساة عامة تلامس النسيج الروحي لسكان قطاع غزة إثر أزمة شح المصاحف. ففي قطاع كان يمتلك إرثاً قرآنياً ممتداً، وتحفظ أزقته ومصلياته أصوات عشرات الآلاف من الحفظة، أضحت المصاحف الورقية "عملة نادرة" يبحث عنها المواطنون بين الركام، أو يتشاركون الأوراق المتبقية منها داخل خيام النزوح، وسط حصار خانق يمنع دخول نسخ جديدة، وارتفاع خيالي في أسعار المتوفر منها، وانعدام جدوى الحلول الرقمية البديلة.

أرقام رسمية.. دمار كلي وملايين النسخ المفقودة

تكشف الأرقام الرسمية عن حجم الخسارة الفادحة التي لحقت بدعامة التعليم الديني والروحي في غزة نتيجة القصف المستمر والتدمير الممنهج.

ويوضح المدير العام في وزارة الأوقاف بغزة، أمير أبو العمرين، أن الأزمة مرتبطة مباشرة بحجم التدمير الشامل، قائلًا: "نحن نتكلم عن تدمير أكثر من 1100 مسجد بمصاحفها. وإذا أردنا تقدير حجم المفقودات، فإن المسجد الواحد كان يضم ما بين 100 إلى 300 مصحف، ما يعني أن ملايين النسخ تم حرقها وتدميرها بالكامل".

ولا تتوقف الخسائر عند حدود المساجد، بل امتدت لتلتهم رفوف المنازل والمكتبات؛ إذ يضيف أبو العمرين في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، أن بيوت غزة التي يُقدّر عددها بنحو 500 ألف بيت كان معظمها يحوي عدة مصاحف، ومع وصول نسبة التدمير إلى أكثر من 75% في مناطق وتدمير كامل في أخرى، أُبيدت هذه البيوت بما فيها من أثاث ومصاحف.

وما يضاعف الأزمة أنه لم تدخل للقطاع أي دفعات من النسخ القرآنية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فيما توقفت المطابع المحلية تماماً نتيجة منع الاحتلال الإسرائيلي دخول المواد الخام من ورق ومحابك.

أزمة مراكز التحفيظ والمعاناة الميدانية

وعلى خطوط المواجهة التعليمية والقرآنية، يقف المحفظون والمحفظات في غزة أمام واقع معقد يُعطل حلقات التحفيظ وشروحات القرآن، بعدما تحول الحصول على مصحف صالح للقراءة إلى معاناة يومية شاقة.

تروي المحفظة والمقرئة بالسند، نعمة البنا، في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، تفاصيل هذه الأزمة الميدانية قائلة: "المصاحف القليلة التي أُخرِجت من تحت الأنقاض أغلبها مهترئ وممزق وتفتقد لأجزاء من بدايتها أو نهايتها، ولا تصلح للطالبات للحفظ أو السرد التام".

وتضيف: "صرنا نضطر أن نطلب من الطالبة إحضار مصحفها الشخصي إلى الحلقة المقامة داخل الخيام، لكن العائلات حتى في لجوئها تعاني شح النسخ".

وحول التغلب على هذه المعضلة عبر التكنولوجيا أو الشراء، توضح البنا أن اللجوء للهواتف المحمولة كبديل رقمي يصطدم بالانقطاع الدائم للكهرباء والإنترنت، إذ لا يمكن اعتماد هاتف يحتاج لشحن بطاريته يومياً كحلٍ فعال.

أما على صعيد الأسواق، فقد تجاوز سعر المصحف العادي -إن وُجد- حاجز 100 شيكل، وهو مبلغ تعجز الطالبة عن توفيره في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة، لتصبح الهدية والأمنية الأولى لكل حافظة اليوم هي مجرد الحصول على مصحف ورقي شخصي.

غياب المصاحف التخصصية وحرمان الفئات الخاصة

لا تتوقف تداعيات الأزمة عند نقص النسخ العادية المخصصة للقراءة اليومية، بل تمتد لتطال فئات واحتياجات تخصصية أضحت نسخها غائبة تماماً عن المشهد في غزة.

وترصد الأستاذة نعمة البنا كيف تسببت الأزمة في تعطيل البرامج التخصصية والمجالس العلمية قائلة: "لدينا انقطاع تام في مصاحف التدوين ذات الهوامش الواسعة التي يحتاجها طلبة العلم لكتابة الملاحظات، واختفت تماماً مصاحف المتشابهات التي تساعد على تثبيت الحفظ، فضلاً عن شح مصاحف التفسير التي تعتمد عليها النساء في أوقات الأعذار الشرعية".

وتؤكد أن هذا النقص أجبر بعض الطالبات على الانسحاب القسري من دورات القراءات القرآنية، بينما اضطرت أخريات لطباعة أوراق شخصية بتكاليف باهظة ومعاناة شديدة.

من جانبه، يؤكد المدير العام لوزارة الأوقاف، أمير أبو العمرين، أن المعاناة تمتد لتطال كبار السن وذوي الإعاقة البصرية، موضحًا أنّ كبار السن الذين ضعفت أبصارهم بحاجة ماسة إلى مصاحف الجوامع ذات الحجم الكبير والخط العريض، وهي غير متوفرة إطلاقاً بعد تدمير المساجد التي كانت تحتضنها".

بالإضافة إلى ذلك يشير ضيفنا إلى أنّ غزة تعيش أزمة حادة ونفاداً كاملاً في نسخ المصاحف بطريقة "بريل" الخاصة بالمكفوفين، مما حرم هذه الفئات من حقها الطبيعي في التعبد وقراءة كتاب الله.

ترميم يدوي وتحديات بيئية تعصف بما تبقى

أمام هذا النقص الحاد وإغلاق المعابر بوجه شحنات المصاحف الجديدة، لجأ حرفيون ومتطوعون إلى محاولات لتأهيل وتجليد النسخ التالفة يدوياً وبأساليب بدائية لتمديد عمر الأوراق المتبقية.

في زاوية متواضعة من مطبعته المتضررة بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يجلس جميل مقداد محاطاً بمصاحف أنهكتها الحرب، يواصل مهمته بصبر في ترميم الأوراق التي انتُشلت من تحت الأنقاض.

يقول مقداد لـ "وكالة سند للأنباء": "الناس يحضرون المصاحف المتضررة، فأقوم بإصلاحها مجاناً ابتغاء الأجر. ورغم الاعتماد على أدوات بسيطة كالمشرط والغراء، نواجِه عائقاً كبيراً بنفاد الكرتون المقوى والغراء الأبيض بسبب الحصار".

وعن دافعه الروحي للاستمرار، يضيف مقداد بأسى: "شعوري وأنا أعالج المصاحف لا يوصف، كأنني أعمل مع روحي؛ فالقرآن روح الإنسان المسلم، وعندما أعيد إصلاحه أشعر وكأنني أصلح جزءاً من روحي".

غير أن هذه المبادرات اليدوية تبقى حلولاً مؤقتة لا تغطي الاحتياج، لا سيما مع التداعيات البيئية القاسية داخل خيام النزوح والمصليات المؤقتة المصنوعة من النايلون، حيث تتلف الحرارة العالية صفحات القرآن المتبقية بشكل سريع.

ومع استمرار الحصار وتمدد الدمار، يواصل أهالي غزة التشبث بما تبقى من صفحات كتابهم الشريف؛ خياطةً وتجليداً وتقاسماً للأوراق، حمايةً لكرامة الروح في زمن الإبادة، ومراهنين على القرآن الذي لا يُهدم: ذلك المحفوظ في صدور عشرات الآلاف من حفظتهم.