في مشهدٍ يعكس حجم الارتباك داخل القيادة الإسرائيلية، يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التنصل العلني من مسار اتفاق وقف إطلاق النار، مطلقاً مواقف تصعيدية تبدو وكأنها إعلان لنسف التفاهمات.
لكن في المقابل، تتحدث أوساط سياسية وإعلامية إسرائيلية عن خطوات تُنفذ بهدوء على الأرض، توحي بأن حكومته لا تزال تتحرك ضمن إطار الاتفاق، وإن بصورة غير معلنة.
وبين خطابٍ يغازل اليمين المتطرف وإجراءاتٍ تفرضها الضغوط الأمريكية والدولية، تبدو حسابات الخوف على مستقبله السياسي والرغبة في تعظيم المكاسب الشخصية العامل الأكثر تأثيراً في سلوك نتنياهو، الذي يحاول الجمع بين رفض الاتفاق أمام جمهوره، وعدم الاصطدام الكامل مع الضغوط الخارجية.
هوامش المناورة
وفي هذا الإطار، أكدت عضو المجلس الثوري لحركة فتح دلال عريقات، أن الموقف الإسرائيلي المتمثل في عرقلة الاتفاق والتنكر له أمر متوقع؛ إذ لم تلتزم إسرائيل إطلاقاً منذ اتفاق أوسلو بأي من الاستحقاقات المترتبة عليها في تنفيذ الاتفاقات الموقعة.
وأوضحت عريقات في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء" أن إسرائيل دأبت تاريخياً على عرقلة مسارات التهدئة، مشيرة إلى أن الخلافات المتصاعدة بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعكس أزمة ثقة على المستوى الشخصي، في حين تبقى العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل قائمة ومستمرة على مستوى المؤسسات والدول.
وأضافت أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً لافتاً في التباين بين واشنطن وتل أبيب، بالتزامن مع تنامي أصوات داخل الشارع والمؤسسات الأمريكية تتساءل عن حجم الأموال الضخمة المخصصة لدعم "إسرائيل"، وما إذا كانت هذه المساعدات تخدم المصالح القومية الأمريكية بالفعل.
واستشهدت عريقات بتصريحات نائب الرئيس الأمريكي المعروف بدعمه التاريخي لإسرائيل، والذي حمّل فيها نتنياهو المسؤولية المباشرة عن تدهور الأوضاع؛ وهي تصريحات وصفتها الأوساط المراقبة بالغير مسبوقة في انتقاد القيادة الإسرائيلية بشكل علني ومباشر من قبل مسؤولين أمريكيين بارزين، لافتة إلى أن ذلك يجسد عمق الخلاف وإن كان لا يزال محكوماً بسقف الشراكة الاستراتيجية.
وانتقدت آلية عمل "مجلس السلام"، معتبرة أنه يتعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق "الصفقة العقارية" ودون اتخاذ مواقف حقيقية تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.
وأشارت إلى أن اللجنة الإدارية تُعد جزءاً من تركيبة هذا المجلس، مؤكدة أن تقييم جديته مرهون بحجم التفويض والصلاحيات الفعلية الممنوحة له.
وشددت أن أي دور مستقبلي للسلطة الفلسطينية، وفق ما ورد في بنود الاتفاق، يظل مرتبطاً بتنفيذ إصلاحات محددة، داعية إلى ضرورة قراءة التطورات السياسية بواقعية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وفي السياق ذاته، رأت عريقات أن حركة حماس خرجت بعد أحداث السابع من أكتوبر بـ "مقاربة أكثر براغماتية"، معتبرة أنها باتت تحسن "لعب السياسة" وتستفيد من التجارب والتحولات الدولية، بما يشبه تجربة إيرلندا الشمالية.
ورأت أن الفصائل الفلسطينية تعاملت بواقعية سياسية نجحت من خلالها في نقل الموقف الفلسطيني من حالة رد الفعل إلى صناعة الفعل ذاته، مما وضع نتنياهو في خيارين لا ثالث لهما: القبول أو الرفض الصريح، واصفة ذلك بأنه "تقدم ملموس في الأداء السياسي الفلسطيني يجب الإشارة إليه والإشادة به".
بين الاتفاق والطموح
من جهته، أكد النائب في مجلس النواب والكاتب الصحفي المصري د. مصطفى بكري، أن الموقف الإسرائيلي واضح ومحتوم منذ البداية، ويتمثل في رغبة نتنياهو الجارفة بالبقاء على سدة الحكم من خلال استمرار الإبادة وافتعال الحروب والصراعات المتواصلة في المنطقة.
وقال بكري في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الاتفاق المطروح يكبح الطموح الشخصي لنتنياهو في مواصلة الحروب التي تشكل بالنسبة له ولتياره اليميني المتشدد الفاشي طوق نجاة، إذ إن وقف إطلاق النار قد يطيح به خارج سباق العملية الانتخابية المزمع عقدها في أكتوبر القادم.
وأوضح أن الجانب الإسرائيلي لم يلتزم بتنفيذ بنود الاتفاق منذ لحظاته الأولى، حيث يسعى نتنياهو لمواصلة دوره في إعادة رسم "شرق أوسط جديد" يخدم مصالحه الاستراتيجية عبر إشعال فتيل الأزمات.
وأضاف: "المنطق الذي يحكم نتنياهو اليوم هو حسم الطموح الإسرائيلي في المنطقة، وصناعة بيئة تخدم تنفيذ أوهامه من خلال الاستمرار في فرض الوقائع الميدانية؛ وهو أمر يتناقض كلياً مع رغبته في الالتزام بأي اتفاق يقيد تحركاته".
ويرى بكري أن هذا الاتفاق يضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها التاريخية، وتحديداً الولايات المتحدة التي باتت تنمو داخل مؤسساتها ونخبها أصوات رافضة بشكل واضح لتمويل الحرب، إذ تنظر إليها باعتبارها حالة عبثية تتناقض مباشرة مع مصالح واشنطن في المنطقة والعالم.
وأكد أن نخبة معتبرة داخل الإدارة والمجتمع السياسي الأمريكي ترى أن نتنياهو بات يشكل عبئاً حقيقياً على هذه المصالح، ولن تسمح له بالتنصل التام من هذا الاتفاق، خاصة مع صدور تصريحات متتالية عن مسؤولين أمريكيين تنادي بضرورة وضع حد للدعم المفتوح والمطلق لـ "إسرائيل".
وأشار إلى أن خيار "الحرب المفتوحة" يمثل الوصفة الخاصة باليمين الفاشي الذي يرى أن الظروف الإقليمية مهيأة لتنفيذ أوهامه، مشدداً في الوقت ذاته أن الأطراف الفاعلة ليس لديها رغبة في تجاوز الاتفاق، خاصة وأن نتنياهو يفقد الحاضنة الأمريكية والإسرائيلية للذهاب نحو تجديد الحرب وشعبها.
صورة انتخابية
وفي السياق ذاته، أكد رئيس التجمع الوطني الديمقراطي في الداخل الفلسطيني، سامي أبو شحادة، أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لم يعد يخوض معركة عسكرية بقدر ما يخوض معركة سياسية وانتخابية هدفها الأساسي البقاء في السلطة.
واعتبر أن قراراته باتت محكومة بالكامل بحسابات الائتلاف الحاكم والشارع الإسرائيلي بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.
وقال أبو شحادة في تصريحاته لـ "وكالة سند للأنباء"، إن نتنياهو يقف اليوم أمام "جرد حساب" عسير مع شركائه في الائتلاف اليميني المتطرف، وفي الوقت ذاته أمام جرد حساب آخر لا يقل خطورة مع الناخب الإسرائيلي الذي يستعد لمحاكمته على نتائج الحرب ومآلاتها.
وأشار إلى أن نتنياهو ينظر إلى أي انسحاب من قطاع غزة قبل تحقيق ما يروّج له بـ "النصر المطلق" باعتباره هزيمة سياسية مدوية قادرة على الإطاحة بمستقبله السياسي كلياً.
وأضاف أن رئيس حكومة الاحتلال يحاول جاهداً شراء المزيد من الوقت على أمل التقاط "صورة انتصار" شكلي يستطيع تسويقها لجمهوره، وبما يشبع تطلعات قواعد اليمين ويمنحه ورقة انتخابية يواجه بها خصومه، حتى وإن كانت الوقائع الميدانية الصلبة لا تعكس تلك الصورة ولا تؤيدها.
وأوضح أبو شحادة أن نتنياهو يعيش صراعاً حقيقياً ومريراً مع الزمن، حيث يحاول توظيف كل يوم إضافي في الحرب بما يخدم أهدافه السياسية والشخصية.
وحذر في الوقت ذاته من أنه ليس مستبعداً أن يقدم على خطوات عسكرية أو أمنية متهورة لإعادة تشكيل المشهد وتجاوز ضغط الوقت الذي يضيق عليه يوماً بعد يوم.
وأشار إلى أن المشهد الحالي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن القرارات الإسرائيلية لم تعد تُبنى على اعتبارات أمنية أو استراتيجية، بقدر ما تخضع لحسابات البقاء السياسي المجرد، وهو ما يفسر استمرار المماطلة في تنفيذ الاتفاقات والتراجع عنها كلما اقتربت من محطاتها الحاسمة.
وشدد أبو شحادة أن إطالة أمد الحرب أصبحت الوسيلة الأبرز التي يستخدمها نتنياهو للهروب من أزماته الداخلية وتأجيل استحقاقاته السياسية والقضائية، مؤكداً أن استمرار هذا النهج يزيد من احتمالات التصعيد ويدفع المنطقة بكاملها نحو مزيد من عدم الاستقرار.
