كشف مدير عام الطب الشرعي والمعمل الجنائي، خليل حمادة، عن صعوبات بالغة وغير مسبوقة تواجه طواقم الطب الشرعي في التعرف على جثامين الشهداء المنتشلين من تحت أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة.
وقال حمادة في حديثٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء"، إنّ شدة الانفجارات أدت في حالات عديدة إلى تفتيت الأجساد وفقدان أجزاء كبيرة منها، مما يجعل تحديد الأعداد والهويات مهمة شديدة التعقيد.
وأوضح أنّ طواقم الانتشال عثرت قبل أيام على رفات تعود لعائلة استُهدف منزلها في بدايات الحرب، وكان شهود وأقارب يؤكدون وجود 19 شخصًا داخله لحظة القصف؛ وبعد نحو ثلاث سنوات لم يتبقَّ سوى العظام، وعند فرزها وفحصها تبين أن الموجود يعود تقديريًا إلى نحو 14 شهيدًا، فيما بقي خمسة أشخاص مفقودين بلا رفات واضحة.
ولفت إلى أنّ مثل هذه الحالات تحتاج إلى آليات وفحوص ومعالجات خاصة بسبب بقاء الرفات مطولاً تحت الركام.
وبالمقارنة مع ذلك، تطرق حمادة إلى شهداء عمارة "السعادة" التي انهارت مؤخرًا موضحًا أن الضحايا كانوا تحت مبنى آيل للسقوط انهار عليهم حديثًا ولم يتعرضوا لموجة انفجارية مباشرة تمزق الأجساد، بل استشهدوا نتيجة السحق تحت الكتل الخرسانية أو الاختناق، مما أبقى جثامينهم بحالة تسمح بالتعرف عليها بدرجة أكبر نسبيًا.
وفي المقابل، تكشف معظم عمليات الانتشال من المباني المقصفة في الفترات الأولى عن مجموعات عظام غير مكتملة نتيجة العصف الشديد، حيث تسببت قربهن من مركز الانفجار في تفتت الأجساد.
وساهمت عمليات التجريف اللاحقة في فقدان أجزاء أخرى، رغم حرص طواقم الإنقاذ على تفادي العمليات العشوائية، والاعتماد في كثير من الحالات على شهادات ذوي المفقودين والجيران لتأكيد حضور العائلات لحظة الاستهداف.
وعزا حمادة هذا الدمار الهائل إلى طبيعة الأسلحة والذخائر التي استخدمها جيش الاحتلال، مشيرًا إلى أن بعض القنابل تزن نحو ألفي رطل وتتضمن قدرات تفجيرية هائلة ومواد شديدة الانفجار صممت أصلاً لاستهداف المنشآت والتحصينات القوية.
وبين أن استخدام هذه الذخائر ضد مبانٍ مدنية غير محصنة يخلف آثاراً كارثية؛ إذ تتسبب الموجات الانفجارية والحرارية الشديدة في تمزيق الجثمان إلى أجزاء صغيرة ومحترقة خلال أجزاء من الثانية، وهو ما يفسر عدم العثور على رفات لبعض المفقودين حتى اليوم.
وأضاف أن هذه القنابل صممت لاختراق المباني للوصول إلى مستويات منخفضة قبل الانفجار، مما يؤدي إلى انهيار الكتلة الخرسانية بأكملها وتحويل البناء إلى ركام فوق السكان، وجعل الوصول إلى الضحايا بالغة الصعوبة في ظل وجود أعداد كبيرة من المدنيين داخل البناية الواحدة.
وشدد مدير عام الطب الشرعي على وجود "واجب إنساني وأخلاقي كبير" تجاه الشهداء ببذل أقصى الجهود لاستعادة رفاتهم والتعرف على هوياتهم ودفنهم بصورة لائقة وفي قبور معروفة لعائلاتهم، لاسيما في ظل وجود أطفال ونساء وشيوخ وعائلات كاملة، إضافة إلى العدد الكبير من الشهداء الذين دُفنوا خلال الحرب دون معرفة مؤكدة لهوياتهم.
مساعٍ للتعرف على الجثامين تصطدم بعراقيل الاحتلال
وفي هذا السياق، أشار حمادة إلى وجود جهود بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتطوير مشروع للتعرف على الجثامين والرفات باستخدام فحوص الحمض النووي (DNA)، خصوصًا للشهداء مجهولي الهوية أو الموجودين في المقابر الجماعية.
وأوضح أن هذا المشروع يمثل خطوة أساسية لحسم مصير المفقودين وربط الرفات بعائلاتها، غير أن إدخال الأجهزة والمعدات اللازمة يواجه عراقيل مستمرة، وفق حمادة.
وأفاد أنّ الاحتلال برفض إدخال بعض أجهزة فحص الحمض النووي، مشددًا أن هذا المنع يضاعف معاناة عائلات المفقودين ويحرمها من معرفة مصير أبنائها ودفنهم في قبور تحمل أسماءهم.
واستدرك: "لا نريد فقط انتشال الجثامين، بل نريد أن يعرف كل أهل شهيد أين دُفن ابنهم، وأن يكون له قبر معروف يحفظ كرامته وحق عائلته".
وأكد حمادة أن عددًا من الجثامين والرفات المنتشلة من الأبراج والمباني الكبيرة التي كانت تضم عشرات العائلات سيظل بحاجة إلى جهود طويلة لتداخل الرفات وتتعقد عملية تحديد أصحابها، بخلاف المنازل الصغيرة التي تكون فيها أعداد السكان معروفة بدقة.
ونبّه إلى أنّ الطب الشرعي سيواصل عمله بالتعاون مع الجهات المحلية والدولية للوصول إلى أكبر عدد ممكن من هويات الشهداء والمفقودين، واستعادة رفاتهم وحفظها وتوثيقها، إلى جانب توثيق الآثار المدمرة التي خلّفتها أنواع الذخائر المستخدمة في قصف المناطق السكنية في قطاع غزة.
ويواجه قطاع الطب الشرعي والأدلة الجنائية في غزة تحديات كارثية غير مسبوقة منذ بداية حرب الإبادة، نتيجة استهداف البنى التحتية الطبية، ونقص حاد في الأجهزة المخبرية، وغياب القدرة على إجراء فحوص الحمض النووي المتقدمة بشكل موسع.
وقد استخدم جيش الاحتلال طوال فترة الحرب آلاف الأطنان من المتفجرات المدمرة عبر ترسانة ثقيلة، وثقت التقارير الأممية والدولية أنها تجاوزت في حصيلتها المدمرة عدة أضعاف ما أُلقي على مدينة هيروشيما اليابانية، متضمنة قنابل خارقة للتحصينات وموجهة بدقة بأوزان ضخمة صُممت في الأصل لتدمير المنشآت العسكرية والخرسانية العميقة تحت الأرض.
وأدت سياسة استهداف المجمعات السكنية والأبراج فوق أصحابها إلى خلق آلاف المفقودين تحت الركام، فضلاً عن وجود مئات الجثامين مجهولة الهوية التي دُفنت في مقابر مؤقتة وجماعية وسط صعوبة بالغة في توثيق هوياتهم.
