على مدار ثلاثة أعوام، دفع الصحفي الفلسطيني واحدًا من أثقل الأثمان في تاريخ الصحافة الحديثة، مواصلاً نقل الحقيقة من قلب حرب الإبادة والاستهداف المباشر، بعد أن تحولت الكاميرا، والقلم، ومقار المؤسسات الإعلامية إلى بنك أهداف في ميدان لم يستثنِ الصحفيين ولا عائلاتهم.
وفي ذكرى اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني الذي يوافق اليوم السبت، السادس والعشرين من سبتمبر/ أيلول من كل عام، تتكشف حصيلة دامية توثق حجم الكارثة التي أصابت الجسم الصحفي؛ إذ ارتقى نحو 262 شهيدًا، وأصيب أكثر من 400 آخرين بجراح متفاوتة، في حين اعتُقل قرابة 140 صحفيًا، لا يزال 39 منهم يقبعون في السجون حتى اليوم.
هذا الواقع يعكس حجم المخاطر غير المسبوقة التي تحملها الصحفيون وهم يؤدون رسالتهم المهنية والوطنية تحت القصف والملاحقة والاعتقال.
ويؤكد مختصون في الشأن الإعلامي والحقوقي أن التضامن الدولي مع الصحفي الفلسطيني ما يزال قاصرًا ومحكومًا بالشعارات، في ظل استمرار القتل والاعتقال والإصابة وتدمير البنى التحتية الإعلامية دون توفير مظلة حماية حقيقية تردع الاحتلال.
ويرى المختصون أنّ بيانات الإدانة وحدها لم تعد كافية، وأن التضامن الفعلي يجب أن يترجم فورًا إلى خطوات قانونية وميدانية تضمن حماية الصحفيين، ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم، وتمكينهم من مواصلة أداء رسالتهم بأمان.
تضامن منقوص.. الشاهد والشهيد
بدوره، يرى الصحفي والمحاضر الجامعي عماد الأفرنجي أن تجربة الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة أعادت تعريف مفهوم "الصحافة الحربية" على مستوى العالم، بعد أن تحول الصحفي من ناقل للحدث إلى شاهد عليه وجزء منه، دافعًا أثمانًا باهظة من حياته وعائلته واستقراره المهني والمعيشي.
الأفرنجي وهو أسير محرر اعتقلته قوات الاحتلال خلال الحرب، يقول إنّ العمل الصحفي لم يكن مجرد وظيفة أو وسيلة لبناء مستقبل شخصي، بل تحول إلى رسالة وطنية وإنسانية مقدسة.
ويوضح لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الصحفي في قطاع غزة وجد نفسه فجأة يؤدي مهمة المراسل الحربي دون أن تتوفر له متطلبات هذا العمل الأساسية من تدريبات خاصة، أو معدات حماية، أو تأمين للحياة، اضطر معها للموازنة بين واجبه المهني والأخلاقي وبين مسؤولياته تجاه عائلته النازحة والمهددة بالجوع والخطر.
ويضيف أن الحرب ألغت عمليًا الفواصل بين الحياة الشخصية والعمل الصحفي؛ إذ غطى زملاء أخبار قصف منازلهم ليكتشفوا لاحقًا أنها تعود لهم أو لأقاربهم وجيرانهم، ورغم ذلك واصلوا التغطية وسط الفقد المباشر والضغوط النفسية القاسية.
ويتساءل الأفرنجي عن حجم الدعم الحقيقي المقدم من المجتمع الصحفي الدولي، معتبرًا أن التضامن يجب أن يتجاوز البيانات إلى خطوات عملية تشمل تفعيل المواثيق الدولية الخاصة بحماية الصحفيين ومنع استهدافهم وعائلاتهم ومقارهم، والتحرك قانونيًا لملاحقة مرتكبي الجرائم بحقهم وتكثيف الضغط لإدخال الطواقم الأجنبية وكسر العزل الإعلامي.
وتتطلب هذه الخطوات أيضًا توفير دعم لوجستي عاجل يضم الخوذ والدروع الواقية وأجهزة الاتصال عبر الأقمار الصناعية وتجهيز مراكز صحفية آمنة مزودة بالكهرباء والإنترنت.
بالإضافة إلى تقديم الدعم المالي والإغاثي والنفسي للصحفيين وأسرهم، ومساندة المعتقلين قانونيًا وماليًا، وتأمين علاج الجرحى والمرضى في الخارج، إلى جانب دعوة شبكات الإعلام العربية والدولية لإعادة نشر وتبني التقارير الفلسطينية وكسر احتكار الرواية الإسرائيلية.
استهداف ممنهج وقبو الاعتقال
من جانبه، يشير المختص في شؤون الأسرى حسن عبد ربه إلى أن الصحفيين الفلسطينيين لم يكونوا بمنأى عن حملات الاعتقال والملاحقة، بل ظلوا في دائرة الاستهداف المباشر بسبب نشاطهم المهني والمجتمعي، مشيرًا إلى أن عشرات الصحفيين يقبعون في السجون في ظروف بالغة القسوة.
ويوضح عبد ربه لـ "وكالة سند للأنباء" أن الاستهداف لم يقتصر على الميدان، بل امتد للتحويل إلى الاعتقال الإداري والعزل، في محاولة متواصلة لتقييد حرية العمل الصحفي وإسكات الصوت الفلسطيني.
وبلغ عدد الصحفيين والصحفيات المعتقلين في سجون الاحتلال 39، بينهم خمس صحفيات، بينما يخضع 21 منهم للاعتقال الإداري دون محاكمة أو توجيه لائحة اتهام علنية.
ويؤكد أن مؤسسات الأسرى وثقت أكثر من 250 حالة اعتقال واحتجاز في صفوف الصحفيين منذ بدء الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لافتًا أن اعتقال الصحفي علاء الريماوي فجر 17 سبتمبر الجاري بعد أقل من عام على الإفراج عنه، وقبلها إطلاقه لمبادرة اجتماعية واسعة في الرابع من ذات الشهر، يمثل أحدث حلقة في مسلسل ملاحقة الصحفيين.
ويشدد عبد ربه أن معاناة الصحفيين الأسرى تتطابق مع ظروف آلاف المعتقلين من حرمان من الرعاية الصحية، ونقص الغذاء، وسوء المعاملة والعنف، وفقًا لشهادات وثقتها لجان دولية أبرزها لجنة حماية الصحفيين.
عدالة مغيبة ومسؤولية دولية
بدوره، يؤكد رئيس مجلس جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان أنور الغربي أن الحديث عن التضامن يفقد مضمونه الحقيقي ما لم يقترن بخطوات قانونية ملموسة تضمن الحماية والمساءلة، محملًا الأمم المتحدة والمنظمات الدولية مسؤولية خاصة في هذا الإطار.
ويقول الغربي لـ "وكالة سند للأنباء" أن القانون الدولي الإنساني ولا سيما المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف يقرر حماية واضحة للصحفيين باعتبارهم مدنيين ما داموا لا يشاركون في الأعمال العدائية، كما أدان مجلس الأمن في القرار 2222 لعام 2015 الإفلات من العقاب عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم.
ويبيّن أن "مجرد إصدار بيانات الإدانة والتعبير عن القلق، مع استمرار استهداف الصحفيين، لا يتناسب مع التزامات القانون الدولي"، معتقدًا أن التضامن الحقيقي يستوجب الانتقال للتحقيق المستقل، وجمع الأدلة، وتحديد المسؤوليات الجنائية الفردية.
ويشير إلى أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يدرج تعمد توجيه الهجمات ضد المدنيين ضمن جرائم الحرب، وأن امتداد ولاية المحكمة إلى قطاع غزة والضفة الغربية يتيح اللجوء لآليات العدالة الجنائية الدولية.
وجدد التأكيد أن المسؤولية تقع أيضًا على عاتق النقابات والاتحادات الصحفية الدولية لإنشاء مسار قانوني متكامل لملف الصحفيين الفلسطينيين، مستطردًا أن "التضامن الذي لا يحمي الصحفي، ولا يحقق في قتله، ولا يتحرك من أجل المعتقِل، سيظل منقوصًا"، وأن الاختبار الحقيقي للمؤسسات الدولية هو قدرتها على ترجمة النصوص إلى حماية ومحاسبة فعلية على الأرض.
