أثارت دراسة حديثة نسقتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" حول مستويات سوء التغذية بين الأطفال في قطاع غزة جدلاً واسعاً، بعدما استخدمها مؤيدون لإسرائيل باعتبارها دليلاً على أن المجاعة التي شهدها القطاع خلال الحرب لم تكن موجودة أصلاً.
وأظهرت الدراسة انخفاض مستويات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون الخامسة في منتصف عام 2026، وهو تحسن ينبغي الترحيب به إنسانياً، لكنه لا يعني، وفق توضيحات اليونيسف نفسها، أن المجاعة التي جرى توثيقها في وقت سابق لم تحدث.
وأوضحت اليونيسف أن المسح يقيس الأوضاع الغذائية في منتصف عام 2026، أي بعد أكثر من تسعة أشهر من تأكيد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي "IPC" وجود مجاعة في غزة في أغسطس/آب 2025، وبعد وقف إطلاق النار وزيادة كبيرة في تدفق المساعدات الإنسانية.
وأكدت المنظمة أن المسح "لا يمكنه أن يخبرنا عن الأوضاع في أغسطس 2025، ولم يُصمم أصلاً لهذا الغرض"، مشددة على أن النتيجتين قائمتان في الوقت نفسه: تأكدت المجاعة في ذلك الوقت، ثم انخفض سوء التغذية الحاد بين الأطفال لاحقاً.
محاولة تهرب إسرائيلية من مسئولية المجاعة
استخدم السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال مايك هاكابي نتائج الدراسة في هجوم سياسي على الروايات المتعلقة بالمجاعة في غزة، معتبراً أنها تفند الاتهامات الموجهة لإسرائيل بالتسبب في تجويع الأطفال.
كما قال المتحدث السابق باسم الحكومة الإسرائيلية إيلون ليفي إن "مجاعة غزة كانت خدعة منذ البداية"، بينما ذهبت منظمة "مراقبة الأمم المتحدة" إلى اعتبار الدراسة دليلاً على أن غزة لا تعاني معدلات مرتفعة من سوء التغذية الحاد.
وردت منظمة "المساعدة الطبية للفلسطينيين" على هذه التصريحات، مؤكدة أن الادعاءات بأن المجاعة لم تحدث قط في غزة "غير صحيحة ومضللة وخطيرة"، وأن قياس الوضع الغذائي للأطفال في الوقت الحالي لا يمكن استخدامه لنفي وجود مجاعة تم توثيقها في العام السابق.
وأوضحت المنظمة أن نتائج اليونيسف والتصنيف السابق للمجاعة يمكن أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه، لأن انخفاض سوء التغذية الحالي يمكن أن يكون نتيجة مباشرة لزيادة المساعدات وتحسن وصول الغذاء، وليس دليلاً على أن المساعدات لم تكن ضرورية خلال فترة المجاعة.
وتعود هذه القضية إلى سياق أوسع من استخدام دولة الاحتلال التجويع كوسيلة ضغط خلال الحرب على غزة، حيث حاولت تل أبيب مرارا نفي ذلك بما في ذلك أمام محكمة العدل الدولية.
لكن منظمات حقوقية وإنسانية قدمت رواية مختلفة، إذ قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الإسرائيلية لم تسمح في فترات مختلفة بإدخال مساعدات كافية وإمدادات أساسية منقذة للحياة.
كما حذرت منظمة الصحة العالمية خلال فترة الحصار الإسرائيلي الكامل على غزة بين مارس/آذار ومايو/أيار 2025 من أزمة جوع واسعة النطاق، وأفادت آنذاك بوفاة عشرات الأطفال بسبب سوء التغذية، مع احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى.
وتزامنت هذه التطورات مع إجراءات قضائية دولية، إذ تضمنت مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 اتهامات بارتكاب جريمة الحرب المتمثلة في استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، إلى جانب اتهامات أخرى.
مؤشر غذائي بالغ الأهمية
تكشف دراسة اليونيسف نفسها، بحسب المادة، عن مؤشر غذائي بالغ الأهمية لم يحظ بالاهتمام نفسه في الخطاب المؤيد لإسرائيل، إذ أظهرت أن نحو طفل واحد من كل ثمانية أطفال دون الخامسة يعاني من التقزم.
وأشارت اليونيسف إلى أن هذه النسبة تعكس "إجهاداً غذائياً طويل الأمد وحرماناً متكرراً" يتجاوز مشكلة الهزال المرتبط بنقص الوزن في فترة زمنية قصيرة.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية التقزم بأنه ضعف في النمو والتطور ينتج عن سوء التغذية والعدوى المتكررة وعدم كفاية الرعاية والتحفيز النفسي والاجتماعي.
ويُعد التقزم من أكثر آثار سوء التغذية خطورة على الأطفال، لأنه قد يترك آثاراً طويلة الأمد على النمو والصحة والقدرات الجسدية والعقلية.
وقال مارتن شو، الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية والسياسة في جامعة ساسكس والباحث في قضايا الإبادة الجماعية، إن آثار سنوات الحرب الإسرائيلية على أطفال غزة لا تختصر في أوزانهم الحالية، مشيراً إلى الإصابات والبتر والأمراض غير المعالجة وفقدان أفراد الأسرة والضغط النفسي وتدمير الخدمات الصحية والتعليمية.
كما حذر الباحث مايك سباجات من قراءة نتائج الهزال باعتبارها مؤشراً ثابتاً على الظروف التي عاشها الأطفال خلال السنوات السابقة، موضحاً أن وزن الطفل يمكن أن ينخفض بسرعة خلال أسابيع، كما يمكن أن يتحسن خلال فترة قصيرة عند توفير التغذية والعلاج المتخصصين.
وأوضح أن مسح اليونيسف يمثل "لقطة" للوضع الغذائي في يونيو/حزيران 2026، بعد أشهر من وقف إطلاق النار وزيادة عمليات تقديم الغذاء، وبالتالي فإنه يقيس أثر التدخلات الإنسانية في تلك اللحظة، وليس الظروف التي كانت قائمة خلال ذروة أزمة الجوع.
وتؤكد هذه المعطيات أن تحسن الوضع الغذائي للأطفال في غزة لا يلغي ما سبقه من أزمة، بل قد يكون في حد ذاته دليلاً على أهمية وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان.
وتبرز القضية كذلك خطورة توظيف البيانات الإنسانية في السجال السياسي، إذ يمكن لرقم واحد أن يُنتزع من سياقه الزمني والمنهجي ليستخدم لنفي مجموعة واسعة من الأدلة السابقة.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل أيست آي أضغط هنا
