في مخيم العروب شمال الخليل، لم يعد الماء مجرد حاجة يومية، بل صار أمنية مؤجلة؛ نحو 16 ألف فلسطيني يعيشون على وقع انقطاعات متواصلة، ويترقبون وصول المياه إلى صنابيرهم لساعات قليلة، فيما تضيق سلطات الاحتلال على مصادر المياه وحصص التزويد، فتتسع دائرة العطش ويزداد العبء على عائلات أنهكتها الأوضاع الاقتصادية.
يقول فايز السباتين، عضو اللجنة الشعبية في مخيم العروب، لـ"وكالة سند للأنباء"، إن المخيم يعاني نقصاً حاداً في كميات المياه، في ظل سيطرة الاحتلال على الموارد المائية والآبار في جنوب الضفة الغربية، وعدم توفيره للمناطق السكنية سوى نحو 30% من احتياجاتها، وهي كمية لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
ولا تتوقف الأزمة عند شح الكميات، إذ تتفاقم بفعل التعديات غير المشروعة على خطوط نقل المياه، ما يزيد اضطراب التوزيع ويحرم مناطق وأحياء من حصصها.
خمسة أيام بلا ماء
يقول المواطن محمد السيد لـ"وكالة سند للأنباء"، إن جدول توزيع المياه المعتمد أخيراً من سلطة المياه بالكاد يوفر للمواطن "شربة ماء".
وأضح أن المياه تنقطع عن المخيم خمسة أيام متواصلة، ما دفع العائلات إلى شراء صهاريج المياه وعبواتها رغم كلفتها المرتفعة.
وفي محافظة الخليل عموماً، وصلت الفترات الفاصلة بين دورات التوزيع في بعض المناطق إلى نحو 37 يوماً، فيما تعاني المناطق المرتفعة في مخيم العروب من صعوبة وصول المياه إليها، لتصبح الصهاريج الخيار الوحيد أمام كثير من الأسر.
وتأتي هذه المعاناة في وقت تسيطر فيه سلطات الاحتلال على نحو 85% من مصادر المياه في الضفة الغربية، وفق معطيات حقوقية فلسطينية، بينما لا يحصل الفلسطينيون سوى على جزء محدود من مواردهم المائية.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الاحتلال أصدر منذ عام 1967 أكثر من 108 أوامر عسكرية تتعلق بالمياه والآبار، وتفرض قيوداً مشددة على حفر الآبار وتطويرها، خصوصاً في المناطق المصنفة "ج"، كما أدى جدار الفصل إلى عزل أجزاء من الحوض المائي الجوفي الغربي.
وتظهر الفجوة في استهلاك المياه حجم الاختلال؛ إذ يتراوح متوسط استهلاك الفلسطيني في الضفة الغربية بين 60 و82 لتراً يومياً، مقابل معدلات أعلى بكثير لدى المستوطنين والإسرائيليين، تتراوح وفق المصادر الحقوقية بين 247 و350 لتراً يومياً.
الاحتلال يقلّص المياه
وتقول سلطة المياه الفلسطينية إن أزمة المياه في الخليل خانقة وتتطلب تكاتفاً وطنياً شاملاً، محمّلة الاحتلال مسؤولية تقليص كميات المياه الموردة عبر الخطوط الرئيسية، ومنها خط "دير شعار"، بالتزامن مع زيادة احتياجات السكان خلال شهري تموز وآب.
وأوضح مدير محطات الجنوب في سلطة المياه، عصام عرمان، في تصريح سابق، أن الأزمة ترتبط بارتفاع الطلب وشح المصادر المتاحة.
وأشار إلى إعداد خطط طوارئ أسبوعية لإعادة تنظيم برامج التوزيع، والعمل على تشغيل مصادر جديدة يمكن أن توفر مستقبلاً نحو 50 ألف كوب من المياه يومياً لجنوب وشمال الخليل.
ولفت نائب رئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم العروب، أمجد الطيطي، إلى أن تقليص الكميات المخصصة للمخيم جعل المياه شحيحة إلى حد لا يغطي الحد الأدنى من الاستخدام المنزلي.
وفي المقابل، تزيد عوامل داخلية من حدة الأزمة، بينها التعديات على خطوط النقل، وكسر المحابس والتلاعب بشبكات التوزيع، إضافة إلى ارتفاع نسبة الفاقد نتيجة تقادم الشبكات وتسرب المياه قبل وصولها إلى المواطنين.
وبين سيطرة الاحتلال على معظم الموارد المائية، وتقليص كميات التزويد، والتعديات والفاقد داخل الشبكة، يبقى مخيم العروب عالقاً في أزمة لا يملك سكانه رفاهية انتظار حلها.
