على امتداد شهر أيلول/ سبتمبر، لم تكن أزمة المعابر في قطاع غزة مرتبطة فقط بما إذا كانت البوابات تُفتح أو تُغلق، بل بحجم ما يعبر منها وانتظام تدفقه إلى القطاع.
وتكشف حصيلة حركة المعابر عن فجوة واسعة بين الالتزامات المعلنة بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار وما تحقق فعليًا على الأرض، في شهر لم تتجاوز فيه الشاحنات الواردة ثلث العدد المقرر، فيما ظل الوقود شحيحًا وبقي معبر رفح مغلقًا معظم أيامه.
فمن أصل 18 ألف شاحنة كان يفترض دخولها إلى غزة خلال الشهر وفق معدل 600 شاحنة يوميًا، وصلت 5265 شاحنة فقط.
فيما لم يتجاوز عدد شاحنات المحروقات 240 من أصل 1500 شاحنة وفق المعدل المعلن، في وقت بقي فيه معبرا زيكيم وكسوفيم مغلقين طوال الشهر، واقتصرت حركة رفح على عشرة أيام فقط.
وبحسب تقرير هيئة المعابر والحدود في قطاع غزة، دخلت 5265 شاحنةإلى القطاع خلال الفترة من 1 إلى 30 أيلول/ سبتمبر، مقابل 18 ألف شاحنة كان يفترض دخولها خلال الشهر، عند احتساب المعدل المعلن البالغ 600 شاحنة يوميًا.
وبذلك لم يتجاوز إجمالي الشاحنات الواردة، بما يشمل البضائع التجارية والمساعدات والمحروقات، 29.3% من العدد المقرر، بفارق بلغ 12 ألفًا و735 شاحنة، أي ما يعادل نحو 70.8% من العدد المفترض دخوله.
ويستند هذا الاحتساب إلى معيار الـ600 شاحنة يوميًا الذي اعتمده المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عند تقييم تنفيذ الاتفاق، ومن ضمنه 50 شاحنة وقود ومحروقات يوميًا.
ووفق تقرير الهيئة، دخلت جميع الشاحنات خلال الشهر عبر معبر كرم أبو سالم، فيما بقي معبرا زيكيم وكسوفيم مغلقين طوال أيلول/سبتمبر.
أما على صعيد حركة المسافرين، فلم يعمل معبر رفح سوى 10 أيام، مقابل إغلاقه 20 يومًا.
شاحنات دون العدد المقرر
وسجّل معبر كرم أبو سالم 27 يوم عمل للأغراض التجارية خلال الشهر، مقابل ثلاثة أيام إغلاق، إلا أن تشغيله معظم أيام الشهر لم ينعكس تدفقًا يقترب من المستوى المقرر.
وبلغ متوسط الشاحنات الداخلة نحو 195 شاحنة في يوم العمل، بينما انخفض المتوسط إلى نحو 176 شاحنة يوميًا عند احتساب إجمالي الشهر، مقارنة بـ600 شاحنة يوميًا وفق المعدل المعلن.
وتكشف هذه المقارنة أن الفجوة لا ترتبط بأيام إغلاق المعبر وحدها؛ فحتى خلال الأيام التي عمل فيها، بقي متوسط الشاحنات عند نحو ثلث المعدل اليومي المعلن.
وباحتساب إجمالي الشهر، فإن ما دخل إلى القطاع خلال 30 يومًا يعادل كمية كان يفترض أن تدخل خلال أقل من تسعة أيام وفق معدل 600 شاحنة يوميًا.
وتوزعت الشاحنات التي دخلت القطاع على 3781 شاحنة تجارية، و1244 شاحنة مساعدات، و240 شاحنة محروقات.
واستحوذت الشاحنات التجارية بذلك على نحو 72% من إجمالي الوارد، مقابل نحو 24% للمساعدات، فيما شكلت شاحنات الوقود النسبة المتبقية.
وتبرز هنا مفارقة إضافية؛ فحتى مع احتساب الشاحنات التجارية ضمن إجمالي الوارد، بقيت الحصيلة دون ثلث العدد المقرر، بينما اقتصرت الشاحنات المصنفة مساعدات في تقرير الهيئة على نحو 41 شاحنة يوميًا.
وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن كرم أبو سالم ظل خلال أيلول/سبتمبر المعبر التشغيلي الوحيد لإدخال البضائع إلى غزة، مع استمرار القيود على تدفق الإمدادات وتراجع معدلات تفريغ الشحنات في بعض الفترات.
الوقود.. ثماني شاحنات يوميًا
وفي ملف المحروقات، سجّلت الهيئة دخول 240 شاحنة وقود خلال الشهر، توزعت على 147 شاحنة سولار، و87 شاحنة غاز، وست شاحنات بنزين.
وبمقارنة هذا العدد بمعيار 50 شاحنة وقود ومحروقات يوميًا، كما أورده المكتب الإعلامي الحكومي في شرحه لالتزامات الاتفاق، كان يفترض دخول 1500 شاحنة خلال أيلول/سبتمبر.
وبذلك لم يتجاوز ما دخل فعليًا 16% من العدد المفترض، بمتوسط ثماني شاحنات يوميًا، وبفارق بلغ 1260 شاحنة خلال الشهر.
وهذه المقارنة تتعلق بعدد الشاحنات وليس بكميات الوقود التي حملتها، إذ لم يورد تقرير هيئة المعابر الكميات الفعلية باللترات أو الأطنان.
أما بحسب أنواع الحمولات، فدخلت 3450 شاحنة مواد تموينية وأغذية، و1273 شاحنة سلع استهلاكية وأدوات منزلية، مقابل 139 شاحنة لمستلزمات الإيواء والإغاثة، و104 شاحنات مستلزمات طبية وصحية، إضافة إلى أصناف أخرى.
وتعادل شاحنات مستلزمات الإيواء والإغاثة أقل من خمس شاحنات يوميًا، فيما بلغت شاحنات المستلزمات الطبية والصحية نحو ثلاث شاحنات ونصف يوميًا، وهي أرقام توضح طبيعة توزيع الواردات خلال الشهر، من دون أن تتيح وحدها تحديد مدى تغطيتها للاحتياجات الفعلية في القطاع.
رفح.. 10 أيام من أصل 30
وفي حركة المسافرين، بقي معبر رفح مغلقًا خلال 20 يومًا من أصل 30 يومًا في أيلول/سبتمبر، ولم يُفتح أمام حركة المسافرين سوى 10 أيام.
وتكشف هذه الأرقام فجوة بين ترتيبات إعادة تشغيل المعبر في الاتجاهين، المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، وبين التشغيل الفعلي خلال الشهر، في وقت تضمنت فيه الترتيبات عودة السكان عبر رفح والسماح بالمغادرة وفق الآلية والترتيبات المرتبطة بالاتفاق.
كما لم يُتح السفر عبر معبر كرم أبو سالم سوى أربعة أيام، مقابل إغلاقه أمام المسافرين 26 يومًا، رغم استمرار تشغيله للأغراض التجارية معظم الشهر.
وبلغ إجمالي المغادرين عبر المسارات الواردة في تقرير الهيئة 1197 شخصًا، بينهم 485 مريضًا، و547 مرافقًا، و165 شخصًا ضمن فئة الإجلاء، فيما عاد إلى قطاع غزة 956 شخصًا.
وسجّل بند مصر مغادرة 903 أشخاص وعودة العدد نفسه، من دون أن يقدم التقرير توزيعًا يوميًا لحركة السفر.
ولا تتيح المعطيات المتوفرة احتساب نسبة عجز تعاقدية دقيقة في حركة المسافرين، لعدم توفر عدد يومي موحد وموثق واجب التطبيق طوال أيلول/سبتمبر لجميع فئات السفر.
كما لا يصح اعتبار جميع المرضى والمرافقين وفئة الإجلاء ضمن فئة واحدة بوصفهم مرضى غادروا القطاع لتلقي العلاج، نظرًا لاختلاف التصنيفات الواردة في التقرير.
لكن المؤشر الثابت في حركة المعبر يتمثل في أن رفح ظل مغلقًا 20 يومًا خلال شهر واحد، ما حصر فرص المغادرة والعودة في نافذة زمنية محدودة. وتؤكد بيانات هيئة المعابر أن الحركة خلال الشهر شملت 1197 مغادرًا و956 عائدًا.
معابر مغلقة وتدفق محدود
وبينما بقي زيكيم وكسوفيم مغلقين طوال أيلول/سبتمبر، انحصرت حركة البضائع في كرم أبو سالم، الذي شهد بدوره ثلاثة أيام إغلاق للأغراض التجارية، وفق تقرير هيئة المعابر.
وتأتي هذه المعطيات في ظل تحذيرات أممية متكررة من أن استمرار محدودية تدفق الإمدادات يفاقم هشاشة الوضع الإنساني في غزة.
وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 25 أيلول/سبتمبر بأن معدل تفريغ شحنات المساعدات عند كرم أبو سالم تراجع إلى 52% من الشحنات المصرح بها، مقارنة بـ70% في الفترة السابقة، مع استمرار معدلات مرتفعة من إعادة الشاحنات ورفضها عبر المسار المصري.
كما أشار المكتب إلى أن انخفاض تدفق الإمدادات أدى في إحدى الفترات إلى وقف إنتاج نحو 50 ألف وجبة في 16 أيلول/سبتمبر، تلاه خفض إضافي بنحو 25 ألف وجبة في اليوم التالي، قبل استئناف الإنتاج تدريجيًا مع وصول شحنات جديدة.
وتظهر قيود مماثلة في ملف الإيواء، إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة في وقت سابق من الشهر برفض إدخال نحو 36,960 قطعة خشب و660 عدة إيواء طارئة، وهي مواد مخصصة لإصلاح المساكن المتضررة وتعزيز الملاجئ استعدادًا لفصل الشتاء، إلى جانب وجود كميات كبيرة من مواد الإيواء بانتظار التخليص.

