أبرزت صحيفة الغارديان البريطانية، تحوّل تركيز هجمات المستوطنين الإسرائيليين إلى مناطق الضفة الغربية المحتلة الخاضعة للحكم الفلسطيني المباشر والمخصصة لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية.
وبحسب الصحيفة تضاعفت تقريباً الهجمات الإرهابية للمستوطنين الإسرائيليين في مناطق الضفة الغربية المحتلة الخاضعة للحكم الفلسطيني المباشر منذ عام 2025، حيث يسعى المستوطنون إلى تحقيق ما يسمونه "ثورة استيطانية عظيمة" في قلب الأراضي المخصصة لإقامة دولة فلسطينية.
وأشارت الصحيفة إلى تقرير صادر عن منظمة "يش دين" الإسرائيلية لحقوق الإنسان، أظهر أن أن ما يقرب من ثلثي حوادث عنف المستوطنين حتى الآن في عام 2026 وقعت في ما يسمى بالمنطقتين "أ" و"ب"، اللتين وُضعتا تحت حكم السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو لعام 1995.
ويصف التقرير، بعنوان "الحدود التالية: العنف من قبل المدنيين الإسرائيليين في المنطقتين أ وب"، "التحول السريع" في "العنف والضغط الذي تمارسه الحكومة والجيش والمستوطنون على الفلسطينيين... من المنطقة ج إلى المنطقتين ب وحتى أ".
ورُسمت عبارة "إسرائيل الكبرى" على جدار في أرض فلسطينية في وادي الأردن قرب مدينة طوباس بالضفة الغربية، في 14 أغسطس/آب 2026، إلى جانب عدة نجوم داود.
تقويض المطالب الفلسطينية
في حين كان من المفترض، بموجب اتفاقية أوسلو للسلام، أن تشكل المناطق الإدارية الثلاث المحددة في الضفة الغربية شكل الدولة الفلسطينية المستقبلية، انتهجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مدفوعة بحركة الاستيطان، سياسة طويلة الأمد لتقويض المطالب الفلسطينية.
وتشكل المنطقة "ج" نحو 60% من الضفة الغربية، وقد مُنحت دولة الاحتلال فيها في البداية مسؤولية مؤقتة عن جميع الشؤون المدنية والأمنية، ريثما يتم التوصل إلى اتفاق نهائي لإقامة دولة فلسطينية، إلا أن هذا الترتيب استُغل لأغراض الاستيطان.
وتقع جميع المستوطنات الإسرائيلية التي وافقت عليها الحكومة، والتي تُعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، في المنطقة "ج"، وكذلك الطرق الرئيسية وشوارع النقل في الضفة الغربية.
أما المنطقة "أ"، التي تشكل حوالي 18% من الضفة الغربية وتضم المدن الفلسطينية الرئيسية، فأصبحت السلطة الفلسطينية مسؤولة فيها عن الشؤون المدنية والأمن الداخلي.
وفي المنطقة "ب"، التي تشكل 22% وتضم المناطق المبنية في المناطق الريفية الفلسطينية، أصبحت السلطة الفلسطينية مسؤولة عن الشؤون المدنية والنظام العام.
ومنذ عام 2024، وسّعت حركة الاستيطان الإسرائيلية جهودها بشكل صريح وعنيف من خلال إنشاء "بؤر استيطانية" زراعية جديدة في المنطقتين "أ" و"ب".
وصرّح قادة المستوطنين علناً بأن هذه البؤر مصممة "لترسيخ موطئ قدم" في مواقع فلسطينية "استراتيجية للغاية"، فيما أشار التقرير إلى أن "معظم أنشطة الحياة اليومية للفلسطينيين تجري في هذه المناطق".
تصاعف هجمات المستوطنين
بحسب تحليل التقرير، بلغت نسبة حوادث العنف في الضفة الغربية التي وقعت في المنطقة "ب" 55% حتى الآن هذا العام، مقارنة بنسبة 25% العام الماضي، فيما انخفضت الهجمات في المنطقة "ج" خلال الفترة نفسها من 67% إلى 37% من الرقم الإجمالي، بما يشير إلى تغيير متعمد في الاستراتيجية.
وقالت منظمة "يش دين"، التي توثق عنف المستوطنين منذ أكثر من عقدين: "مع تصاعد عنف المستوطنين والدولة ضد المجتمعات الفلسطينية في المنطقة ج في السنوات الأخيرة، تم دفع الفلسطينيين قسراً إلى المنطقتين أ وب، مما جعل هاتين المنطقتين أكثر أهمية للحفاظ على الأمن وشكل من أشكال الحياة اليومية الطبيعية".
وأظهرت خريطة نُشرت في وقت سابق من هذا الصيف في مجموعة واتساب التابعة لمؤسسة هيلتوب، وهي منظمة تُقدّم المعدات والدعم والتمويل لإنشاء بؤر استيطانية إسرائيلية في الضفة الغربية، وجود 16 بؤرة استيطانية بين مدينتي رام الله ونابلس الفلسطينيتين الرئيسيتين فقط.
وأُرفقت الخريطة بنص يتباهى بـ"ثورة الاستيطان الكبرى الجارية في مناطق أوسلو"، ويتعهد باستمرار دعم المؤسسة لإنشاء بؤر استيطانية في المنطقة "ب".
وذكر تقرير منظمة "يش دين" أن "نجاح إنشاء هذا العدد الكبير من البؤر الاستيطانية في انتهاك واضح للقانون الإسرائيلي، يدل على أن دولة الاحتلال تختار عمداً عدم معالجة القضية بشكل فعال، وأن أهداف المستوطنين المعلنة علناً تتماشى مع سياسة الحكومة".
وأضاف التقرير: "يتحدث الوزيران البارزان إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذان دعيا إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو، علناً عن طموحهما في السيطرة على المنطقة ب وإلغاء التقسيم الذي تم إنشاؤه بموجب اتفاقيات أوسلو".
ويتزايد القلق الدولي إزاء تصاعد وتيرة عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وقد فُرضت عقوبات في الولايات المتحدة وأوروبا على مستوطنين وشخصيات مؤيدة لهم، بمن فيهم بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي.
وأعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، يوم الأربعاء، العقوبات الفرنسية المفروضة على بن غفير، قائلاً إن ما يحدث في الضفة الغربية "مخزٍ للغاية ويجب أن يملأنا جميعاً بالاشمئزاز".
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وحتى 20 يوليو/تموز، لقي 18 فلسطينياً حتفهم في هجمات نفذها مستوطنون، بينهم 12 قُتلوا على يد مستوطنين، وثلاثة على يد القوات الإسرائيلية، فيما أشار المكتب إلى وجود خلاف حول مسؤولية القوات الإسرائيلية عن الوفيات الثلاث المتبقية.
ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة، وقع حوالي 190 هجوماً شهرياً خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، ما يضع الضفة الغربية على مسار للوصول إلى أكثر من 2000 هجوم بحلول نهاية العام.
ويخلص تقرير "يش دين" إلى القول: "إن هذه الاستراتيجية الإسرائيلية، التي تم تنفيذها جزئياً من خلال توسيع البؤر الاستيطانية والعنف الاستيطاني الذي انطلق منها إلى مناطق جديدة، تدفع السكان الفلسطينيين إلى مراكز المدن والقرى وتفرغ المناطق المحيطة من الوجود الفلسطيني".
وأضاف: "وبذلك، تدفع (إسرائيل) نحو تحقيق سياسة، تنعكس بالفعل في التصريحات العامة للوزراء، تسعى إلى ضم أكبر قدر ممكن من أراضي الضفة الغربية مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين الذين يعيشون هناك".
وختم التقرير بالقول: "إن الطريق إلى هذا الهدف ممهد بالجريمة المنظمة والمنهجية، المدعومة والمساندة من قبل مؤسسات الدولة، مما يكشف عن نية واضحة: جعل المنطقة خالية من الفلسطينيين، وبعبارة أخرى، القيام بالتطهير العرقي".
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة الغارديان أضغط هنا
