ترجل عن صهوة الفرشاة واللون فارس الريشة الفلسطينية، الفنان التشكيلي الكبير سليمان منصور، يوم الإثنين 24 أغسطس 2026، صاحب الأثر البصري الأعمق في تشكيل الوعي الوطني والهوية البصرية الفلسطينية.
رحل منصور ليترك خلفه إرثًا فنيًا غنيًا يروي سيرة شعب لم يساوم على ذاكرته، وعلى رأسها أيقونته الخالدة "جمل المحامل"، اللوحة التي تحولت إلى وثيقة وطنية ورمز أبدي للصمود الفلسطيني.

"جمل المحامل".. الأيقونة الفنية الخالدة
لم تكن لوحة "جمل المحامل"، التي أنجزها الفنان سليمان منصور، عام 1973، مجرد عمل فني عابر، بل تحولت إلى ملحمة بصرية تختصر حكاية النكبة، اللجوء، والتمسك بالثوابت.
تجسد اللوحة عجوزًا فلسطينيًا (يحمل ملامح الأرض والتعب والكرامة) وهو يرتدي قفطانًا تقليديًا، بينما يحمل على ظهره مدينة القدس محاطة بكيس قماشي ضخم يرمز للوطن وثقله. ويمثل الجمل في اللوحة صمود الإنسان الفلسطيني وقدرته الأسطورية على حمل ثقل النكبة والتهجير دون أن ينحني.
وأصبحت اللوحة حاضرة في كل بيت وفي الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية؛ إذ لم تقتصر على كونها عملًا تشكيليًا، بل تجاوزت ذلك لتصبح شعاراً للنضال، ومصدرًا لإلهام الشعراء والأدباء والثوار على حد سواء.

جذور تمتد في تراب الوطن.. مولد وبدايات رائدة
وُلد الفنان التشكيلي الكبير سليمان منصور في بلدة بيرزيت الفلسطينية عام 1947، وتفتحت عيناه على قسوة الفقد وجمال الريف حين فقد والده مبكرًا، لترعاه والدته وتنقل طفولته بين شوارع بيرزيت وبيت جالا حيث تلقى تعليمه الأساسي.
مع إتمام تعليمه الثانوي وبدايات مشواره المعرفي، التحق منصور بأكاديمية "بتسلئيل" للفنون والتصميم في القدس بين عامي (1967 و1970)، ليخطوَ خطواته الأولى نحو صياغة هُوية بصرية مستقلة وناجزة للفلسطينيين.
لم تقتصر رحلته الفنية على الرسم فحسب، بل امتدت لتشمل التدريس الأكاديمي، ورسم الكاريكاتير السياسي في الصحف المحلية، وتأليف وتوثيق التراث الشعبي الفلسطيني عبر كتابين بارزين هما "الملابس الشعبية الفلسطينية"، و"دليل التطريز الفلسطيني".
وقد توجت مسيرته الاستثنائية بتأسيس وقيادة مفاصل العمل الثقافي؛ كرئاسته لرابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، ومشاركته الفاعلة في تأسيس مركز الواسطي للفنون والأكاديمية الدولية للفنون، وصولًا إلى محطات المقاومة الثقافية إبان الانتفاضة الأولى بالاستعاضة عن الخامات المستوردة بمواد البيئة المحلية كـ "الطين والحناء".
نال خلال مسيرته أرفع الأوسمة والجوائز العربية والدولية، شملت جائزة فلسطين للفنون التشكيلية، والجائزة الكبرى في بينالي القاهرة، وجائزة اليونسكو - الشارقة للثقافة العربية، وصولًا إلى جائزة النيل للمبدعين العرب، ليخلد اسمه طودًا من أطواد الذاكرة والوطن.

بصمات خالدة.. أبرز لوحات "منصور"
لم ينحصر إبداع الراحل الكبير في "جمل المحامل" وحدها، بل غاص عميقًا في تفاصيل الحياة اليومية، والمقاومة، والتشبث بالأرض، ومن أبرز أعماله التي شكلت علامات فارقة في تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني:
لوحة "سارة" (1974): تجسيد لعمق المرأة الفلسطينية كأم الأرض وحارسة الذاكرة، حيث تبرز الملامح بوضوح تنطق بالصمود والصلابة.

لوحات الطين والمواد المحلية (فترة الانتفاضة الأولى): عندما انخرط الفنان في مقاطعة المواد الإسرائيلية، أسس مع رفقائه رابطة الفنانين التشكيليين، واستخدموا الطين، والتبن، والحناء في أعمالهم الفنية كشكل من أشكال المقاومة الثقافية.


سلسلة "الأرض والكروم": أعمال تعكس عشق الفلاح الفلسطيني لأرضه وشجر الزيتون، مستخدماً ألوانًا ترابية تعبر عن الارتباط الوجودي بالتراب الوطني.



غياب مؤثر.. صدى رحيل الفنان "منصور"
وفور إعلان نبأ رحيل الفنان الكبير، ضجت منصات التواصل الاجتماعي في فلسطين والعالم العربي بكلمات النعي والوفاء، مستذكرين سيرته ومسيرته الطويلة، ومستحضرين خلال رثائه لوحته الشهيرة "جبل المحامل" الأيقونية.
وفي نعي "منصور"، كتب سلام فياض، السياسي والاقتصادي الفلسطيني، في منشور له على منصة "فيسبوك": "لم يكن سليمان مجرد فنان تشكيلي؛ كان أحد الذين صاغوا صورة فلسطين في الوعي الفلسطيني والعربي والعالمي. وفي لوحاته تحولت الأرض إلى ذاكرة، والزيتونة إلى جذور، والمرأة إلى صمود، والقدس إلى حضور لا يغيب".
وقال الكاتب الفلسطيني، أكرم الصوراني، في منشور له، معزيًا بفقد الفلسطينيين للفنان الكبير سليمان منصور: "اللوحة (جبل المحامل) لا تزال عالقة في الأذهان، وعلى ما تبقّى في غزّة والضفة والقدس والشتات من جدران... لروح سليمان منصور الرحمة والسّلام، ولإرثه الفنّي الوطني دوام البقاء..".
ونعى الصحفي الفلسطيني، مجاهد بني مفلح، الفنان "منصور" بمنشور له، قائلًا: "رحل سليمان منصور، وبقي الفلسطينيُّ الذي رسمه يحمل وطنه على ظهره ولا ينحني. صاحب جمل المحامل لم يرسم فلسطين فحسب؛ حملها في لوحاته ذاكرةً وهويةً وحنينًا، وترك للأجيال وطنًا من لون لا يُمحى. وداعًا سليمان منصور. خفَّ اليوم حملُ الجسد، وبقيت فلسطين التي حملتها طويلًا في فنّك ووجدانك".
رحل سليمان منصور، لكن "جمل المحامل" باقٍ يسير بخطى ثابتة نحو شمس الحرية، وستبقى لوحاته نبراساً ينير درب الأجيال القادمة، شاهدةً على أن الفن الحقيقي مقاومة، وأن الذاكرة الفلسطينية أصلب من أن تُنسى.
