الساعة 00:00 م
الثلاثاء 25 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.23 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.5 يورو
3 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

هويدي: غياب الردع الدولي يغذي تمادي الاحتلال في انتهاكاته بحق "أونروا"

تحذيرات من استهداف إسرائيلي شامل لخدمات "أونروا" في القدس

حصار وتوسع استيطاني متصاعد.. وقائع تهجيرية جديدة في الضفة

عام على مجزرة صحفيي ناصر.. 5 أصوات أُسكتت وبقيت الحقيقة تنزف

حجم الخط
ذكرى صحفيون ناصر.webp
غزة-وكالة سند للأنباء

في صباح الـ 25 من آب/ أغسطس 2025، لم يكن صحفيو غزة الذين تجمعوا في مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس يبحثون عن الموت، بل عن إشارة إنترنت وكاميرا تلتقط الحقيقة؛ كانوا يؤدون عملهم في مكان يفترض أن يكون ملاذًا للجرحى والمرضى، قبل أن يتحول في لحظات إلى مسرح لمجزرة أُسكتت فيها أصوات 5 صحفيين فلسطينيين، وبقيت كاميراتهم وذكرياتهم تنقل إلى العالم الحكاية الأخيرة.

وبعد عام على المجزرة، لا تزال صور الشهداء الخمسة تختصر مأساة مهنة أصبحت في قطاع غزة طريقًا محفوفًا بالموت؛ إذ لم تحمِ الخوذ والسترات التي حملت كلمة "PRESS" أصحابها، ولم يشفع لهم أنهم كانوا ينقلون وجع الفلسطينيين ودماءهم إلى العالم.

قصف مزدوج

ارتكبت قوات الاحتلال، صباح الإثنين 25 آب/ أغسطس 2025، مجزرة مركبة داخل مجمع ناصر الطبي عبر قصف مزدوج ومتتالٍ؛ استهدفت الضربة الأولى الطابق الرابع ومحيط نقطة البث التي كان يتجمع فيها الصحفيون لإرسال موادهم الإعلامية، ما أدى إلى استشهاد المصور حسام المصري، المتعاون مع وكالة "رويترز".

وبينما هرع المسعفون وطواقم الدفاع المدني والصحفيون إلى المكان لإنقاذ المصابين وتوثيق الضربة الأولى، عاود الاحتلال قصف الموقع ذاته، لتتحول محاولة إنقاذ الضحايا إلى مشهد دموي جديد.

ارتقى خلال القصف خمسة صحفيين فلسطينيين، إلى جانب 17 فلسطينيًا آخرين، بينهم عاملون في القطاع الصحي والإنقاذ، فيما أصيب عشرات بجروح متفاوتة.

وخلفت المجزرة خمسة أسماء في ذاكرة الصحافة الفلسطينية: حسام المصري المتعاون مع وكالة "رويترز"، محمد سلامة مصور قناة الجزيرة، الصحفية والمصورة مريم أبو دقة المتعاونة مع "أسوشيتد برس" و"إندبندنت عربية"، المصور معاذ أبو طه المتعاون مع شبكة "NBC" ووكالة "رويترز"، وأحمد أبو عزيز مراسل ومصور "قدس فيد" وموقع "ميدل إيست آي".

كان الإعلاميون الخمسة يمثلون مؤسسات إعلامية محلية ودولية، لكنهم التقوا جميعًا في مهمة واحدة: أن يكونوا شهودًا على ما يحدث في غزة، قبل أن يتحولوا هم أنفسهم إلى خبر وصورة وقصة لا تنتهي.

وتكشف التحقيقات والشهادات التي أعقبت المجزرة عن خلفيات خطيرة للهجوم، بينها ادعاء جيش الاحتلال أنه استهدف كاميرا في المستشفى، زاعمًا استخدامها لأغراض عسكرية.

غير أن شهادات زملاء حسام المصري أكدت أن قطعة القماش البيضاء التي وُضعت فوق الكاميرا كانت وسيلة مهنية معتادة لحمايتها من أشعة الشمس والغبار.

كما كشفت شهادات جنود إسرائيليين وتقارير حقوقية عن تغيير في طبيعة الهجوم، من محاولة استخدام وسيلة دقيقة لتدمير الكاميرا إلى إطلاق قذائف شديدة الانفجار على مبنى المستشفى المكتظ بالمدنيين والصحفيين، في وقت تتهم فيه منظمات حقوقية الاحتلال باتباع سياسة "التجريم الرجعي" للشهداء الفلسطينيين لتبرير قتلهم.

صحافة تحت النار

لم تكن مجزرة ناصر حادثة معزولة، بل جاءت في سياق حرب هي الأكثر دموية بحق الصحفيين في التاريخ المعاصر.

ووفق المعطيات الرسمية، استشهد 265 صحفيًا وصحفية في قطاع غزة منذ بداية حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وأوضحت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، في تقرير صدر عنها خلال يوليو/ تموز الماضي بعنوان "إعلام بلا جدران"، أن من بين الشهداء 27 صحفية، فيما أصيب نحو 500 صحفي، واعتُقل أكثر من 34 آخرين.

ولم تتوقف المعاناة عند الاستهداف المباشر للأرواح؛ إذ امتدت إلى منازل الصحفيين وعائلاتهم ومؤسساتهم، ليصبح النزوح والتشريد واقعًا يوميًا يلاحق ما بين 60% و75% من الصحفيين الذين ما زالوا على قيد الحياة في القطاع.

وبحسب تقرير النقابة، فإن ما بين 700 و900 صحفي من أصل قرابة 1200 صحفي في غزة فقدوا مساكنهم وأصبحوا يعيشون في مراكز الإيواء والخيام، في ظروف قاسية لا تمنعهم من مواصلة نقل تفاصيل الحرب.

وفي موازاة ذلك، تشير تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى تدمير أكثر من 80% من المكاتب والمؤسسات الإعلامية كليًا أو جزئيًا، ما تسبب في انهيار شبه كامل للبنية التحتية للعمل الصحفي في القطاع.

وتشير المعطيات الميدانية إلى تدمير أكثر من 140 مؤسسة إعلامية، بينها 16 قناة فضائية و11 إذاعة محلية و35 صحيفة ووكالة أنباء رقمية، إلى جانب استهداف وقصف 53 منزلًا تعود لصحفيين وعائلاتهم، فيما تجاوزت الخسائر المادية المباشرة للقطاع الإعلامي 800 مليون دولار.

الإفلات من العقاب

تؤكد منظمات حقوقية، في مقدمتها "مراسلون بلا حدود" و"لجنة حماية الصحفيين"، أن ما يجري بحق الإعلاميين في غزة يتجاوز مخاطر العمل في مناطق النزاع التقليدية، في ظل اتهامات متواصلة باستهداف الصحفيين الذين يمكن تمييز هويتهم المهنية بوضوح من خلال سترات وخوذ تحمل شارة "PRESS"، إلى جانب منع الصحافة الأجنبية من الدخول بصورة مستقلة إلى القطاع وتدمير المؤسسات الإعلامية وقطع الاتصالات والإنترنت.

وفي ظل هذه الأرقام، تصف منظمات دولية الحرب على غزة بأنها واحدة من أكثر الحروب دموية بحق الصحفيين في التاريخ المعاصر، فيما تشير مقارنات متداولة إلى أن عدد الصحفيين الذين قتلوا في القطاع تجاوز حصيلة قتلى الصحفيين في حروب كبرى سابقة.

ورغم المذكرات القانونية والدعاوى المتعلقة باستهداف الكوادر الصحفية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، لا تزال المحاسبة غائبة.

وتشير تقارير "مؤشر الإفلات من العقاب" إلى استمرار فجوة واسعة بين الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين ومساءلة المسؤولين عنها في مناطق النزاع.

ويضع استمرار قتل الصحفيين وتدمير المؤسسات الإعلامية المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية أمام اختبار حقيقي لتطبيق القانون الدولي الإنساني، الذي ينص على حماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم.

بعد عام على مجزرة ناصر، لا تزال الحقيقة التي حاول خمسة صحفيين إيصالها إلى العالم تنزف معهم. فحسام، ومحمد، ومريم، ومعاذ، وأحمد، لم يحملوا سوى كاميراتهم وهواتفهم وأدوات عملهم، لكن أسماءهم انضمت إلى قائمة طويلة من الصحفيين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للشهادة على حرب الإبادة.