لا تقتصر ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس والداخل المحتل على الإجراءات العسكرية الميدانية والعزل، بل امتدت لتشمل حربًا ممنهجة ومستمرة على الذاكرة والهوية من خلال تغيير أسماء الشوارع، والأبواب، والمعالم التاريخية، وفرض مسميات عبرية جديدة مكانها.
وظهر مؤخراً تركيب لافتة تحمل تسمية "البوابة القديمة" بالتزامن مع إزالة لافتات تحمل اسم "باب العامود" قبل إعادتها، في مشهد يعكس حلقة جديدة ومتصاعدة من مسلسل طمس الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة.
تؤكد محافظة القدس أن تغيير أسماء الشوارع والأبواب والمعالم التاريخية يمثل جزءًا أساسيًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة صياغة المشهد الحضري والثقافي للمدينة.
وتحذر المحافظة من خطورة فصل الأجيال القادمة عن أسمائها العربية المتوارثة وتاريخها الممتد عبر القرون، مشددة على أن أسماء القدس ومعالمها هي جزء أصيل من ذاكرتها الوطنية والتاريخية والثقافية، ومؤكدة أن هذه السياسات الاحتلالية لن تنجح في طمس هويتها العربية الفلسطينية وفرض أمر واقع دائم.
عشرات الآلاف من المواقع المهددة بالتهويد
من جانبه، يوضح رئيس مركز القدس الدولي، حسن خاطر، أن هذه الممارسات ليست إجراءً عابرًا أو وليدة اللحظة، بل هي سياسة مستمرة منذ سنوات طويلة.
ويشير خاطر في حديث لـ "وكالة "سد للأنباء" إلى أن مؤسسات فلسطينية عديدة، من بينها المجلس العلمي الفلسطيني والهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، ناقشت هذا الملف مطولاً وعملت على متابعته.
ويكشف أن عمليات تغيير أسماء المواقع الأثرية والتاريخية لم تقتصر على مدينة القدس وحدها، بل جرى رصد تغيير أسماء أكثر من 20 ألف موقع أثري وتاريخي في فلسطين، وتحويلها من أسمائها العربية العريقة إلى أسماء عبرية مستحدثة.
ويلفت إلى أن السياسة الإسرائيلية تطورت تدريجيًا؛ فبعد أن كانت تضع الأسماء العربية إلى جانب الإنجليزية والعبرية في السابق، تطورت في السنوات الأخيرة لتصل إلى إزالة الأسماء العربية تمامًا والاكتفاء بالأسماء العبرية في كثير من المواقع الحيوية، بما في ذلك داخل البلدة القديمة في القدس.
وثائق التهويد ومخاطر تشويه الرواية
ووثق مركز القدس الدولي قبل سنوات مشروعًا خطيرًا أعدته بلدية الاحتلال تحت مسمى "التخطيط والتجديد والحفظ والحماية للبلدة القديمة في القدس".
ويبين أن هذا المشروع يعتمد على بطاقات هندسية ومعلومات تاريخية ودينية مشوهة تتجاهل تمامًا الهوية العربية والإسلامية للمعالم والأزقة.
ويوضح أن المركز عمل على ترجمة هذه الوثائق من العبرية إلى العربية ونشر كتيبات توثيقية مضادة، إلا أن المشروع لم يجد الدعم العربي والإسلامي والدولي المطلوب.
ويحذر خاطر من أن خطورة الأمر تكمن في أن الاحتلال لا يكتفي بطرح الرواية فحسب، بل ينفذها ميدانيًا عبر اليافطات والخرائط مثل إطلاق اسم "جبل الهيكل" على المسجد الأقصى وتغيير أسماء الطرق؛ لإعادة صياغة جغرافية القدس في الوعي العام والوجدان العالمي.
باب العمود.. استهداف رمزي لقلب القدس
بدوره، يرى الباحث المقدسي فخري أبو ذياب أن الاحتلال يتعمد استهداف الأماكن الأكثر حساسية ورمزية في القدس، وفي مقدمتها "باب العمود"؛ المدخل الرئيسي للبلدة القديمة والمؤدي إلى أسواقها والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
ويوضح أبو ذياب لـ "وكالة سند للأنباء" أن باب العمود، الذي ارتبط تاريخيًا بدخول القائد صلاح الدين الأيوبي عام 1187 لتحرير المدينة، يتعرض لمحاولات مسح لقطع الصلة بين القدس وتاريخها العربي والإسلامي والمسيحي، وإيحاء زائف بارتباط المكان بالحضارة اليهودية.
ويشير إلى أن الاحتلال يتبع سياسة تدريجية لترسيخ هذه التسميات في الدوائر الرسمية والخرائط وحياة السكان اليومية.
وينتقد أبو ذياب بشدة تقصير المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة "اليونسكو"، في حماية الإرث الحضاري والتاريخي للقدس، مؤكدًا أن الصمت الدولي يشجع الاحتلال على المضي قدماً في تهويد المسميات فرض أمر واقع جديد.
ويدعو الباحث المقدسي، الدول العربية والإسلامية إلى اتخاذ خطوات عملية واستخدام أوراق الضغط المتاحة، إلى جانب تعزيز الوعي بالتاريخ الحقيقي للقدس، مؤكدة أن الحفاظ على هوية المدينة مسؤولية جماعية تتطلب تحركاً عاجلاً للتصدي للرواية الإسرائيلية المزيفة.
