لم تعد أكياس النايلون البالية وحقائب الظهر الممزقة مجرد أمتعة، بل تحولت إلى الهوية الوحيدة المتبقية لعشرات العائلات في قطاع غزة. فجأة، وبلا مقدمات، يصدح صوت إنذار يحمل عبارة واحدة مرعبة: "أخلوا المنطقة فوراً".
ولم تكد مدينة غزة تلملم صدمة إشارات الإخلاء القاسية الجديدة التي ضربت محيط مجمع الشفاء الطبي ومخيم الشاطئ، حتى تلقى سكان مخيم النصيرات وسط القطاع إنذاراً عاجلاً يستهدف منزلاً لعائلة أبو دلال في محيط مجمعه التجاري الشهير، ولتمتد إنذارات الإخلاءات إلى جنوب القطاع، وخاصة في منطقة المستشفى الأردني، بخانيونس، بالإضافة لإنذار في القرب من المواصي.
إنها ليست مجرد أوامر مغادرة عادية، بل هي جولة جديدة من جحيم "الشتات المتكرر"، حيث يُطلب من إنسان أنهكته الحرب أن يحمل عمره وذكرياته على كاهله، ويمضي إلى مجهول لا يضمن فيه حتى خيمة تقيه حر الصيف أو برد الشتاء.
ملاذ المأوى المفقود
تتضاعف حالة الهلع الشديد وخوف المواطنين مع كل إنذار جديد يضرب أحياءً مأهولة أو محيط مرافق حيوية، ليجد الناس أنفسهم محاصرين بسؤال المرارة المتكرر: أين نذهب؟ فمراكز الإيواء المدرسية المدمرة وخيام البلاستيك المهترئة ممتلئة عن أخبارها بل وتتعرض للاستهداف والتقليص المستمر، ولم تعد هناك بقعة آمنة تحتمل المزيد من الأجساد المتعبة.
هكذا يواجه أهالي قطاع غزة إنذارات الإخلاءات الجديدة، مصيرهم بلا مأوى، ليقضي العشرات ليلتهم تحت السماء وفي العراء بين الركام والشارع، في انتظار موجة نزوح أخرى قد لا تترك لهم متسَعاً حتى لالتقاط الانفاس.
جغرافيا الخوف الممتدة
تتخذ موجات الإخلاء الأخيرة طابعاً استراتيجيًا يمعن في تضييق الخناق على ما تبقى من مساحات آمنة أو شبه مأهولة، بالقطاع المدمر.
فقد شهد محيط مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، أمس الثلاثاء، إنذارات طالت المناطق الحيوية المجاورة للقلب الناظض للقطاع الصحي سابقاً، مما يعمق أزمة المتبقي من الخدمات الطبية ويخلق حالة من الذعر بين المرضى والنازحين المتواجدين في الجوار.
وفي مخيم الشاطىء غرب مدينة غزة، شهدت المنطقة اليوم الأربعاء، إنذارا بالإخلاء، بالتزامن مع استهداف متكرر للبقع الساحلية التي لجأ إليها السكان هرباً من العمق المدمر، لتتحول الشواطئ التي كانت متنفساً إلى مصائد للخوف.
ويتشابه الحال، في وسط قطاع غزة، وتحديدا في محيط مول أبو دلال بمخيم النصيرات، لتدب حالة من الذعر بين المواطنين، اليوم الأربعاء، عقب إنذارات بالإخلاء وتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل الأسواق والمناطق التجارية التي تحاول لملة حياتها اليومية وسط الركام.
والتطور الأكثر قسوة تمثل في امتداد إشارات الإخلاء إلى جنوب قطاع غزة في خانيونس، لتطال محيط المستشفى الأردني والمناطق المكتظة في "المواصي"، وهي البقعة التي فُرضت على مئات الآلاف كملاذ بديل عن مآويهم طوال الأشهر الماضية.
هذا التحول يعني بوضوح سقوط آخر الأوهام حول وجود مناطق بمعزل عن النار في قطاع غزة7، ومطاردة النازحين حتى في خيامهم الأخيرة.
دوامة الإخلاء الممتدة
لا تعكس إشارات الإخلاء الجديدة المتلاحقة بقطاع غزة مجرد إنذارات عسكرية عابرة، بل تمثل امتداداً لسلسلة طاحنة من عمليات التهجير القسري التي بدأت منذ اللحظات الأولى للحرب، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" إلى أن الغالبية العظمى من سكان القطاع، بمعدل يصل إلى تسعة أشخاص من بين كل عشرة أفراد، قد تجرعوا مرارة النزوح مرة تلو الأخرى، ووصل الأمر بعائلات عديدة إلى النزوح وتغيير مكان السكن لأكثر من عشر مرات متتالية.
وفي ظل تقليص المساحات المتاحة في قطاع غزة، وسيطرة الاحتلال على قرابة 70% من مساحة قطاع غزة، فيما يسمى "الخط الأصفر" وتحويل معظم مساحة القطاع إلى مناطق حمراء محظورة أو مدمرة، تحذر المنظمات الأممية من أن أوامر الإخلاء المتكررة، معتبرة أنها تتستر خلفها كارثة إنسانية ممنهجة تدمر ما تبقى من مقومات الحياة.
تترك موجات الإخلاء المتكررة أثراً نفسياً عميقاً يصعب مداواته، وخاصة على الأطفال الذين باتوا يربطون أصوات الطائرات والإنذارات بحقائب السفر الدائمة. إن حالة انعدام الاستقرار تحرم الإنسان الغزي من أبسط حقوقه في الأمان النفسي، وتجعله يعيش في حالة ترقب دائمة، متسائلاً بمرارة: إلى متى سنبقى هكذا، وهل من نهاية لهذا المخاض المفتوح على الدمار؟
سياسة الخنق القسري
تتجسد قمة المأساة الإنسانية في التكدس المرعب لأكثر من مليوني نازح باتوا محشورين في بقعة ضيقة ومتقلصة باستمرار من مساحة قطاع غزة، والتي لا تتجاوز نسب ضئيلة جداً بعد سلسلة الاقتطاعات وأوامر الإخلاء العسكرية.
وأمام هذا الحصار الجغرافي الخانق، تحولت مناطق المواصي وبعض جيوب الوسط والجنوب إلى ما يشبه "المعسكرات المفتوحة"، حيث تتراصف الخيام فوق بعضها البعض بشكل انعدمت معه أبسط معايير الخصوصية أو الأمان الصحي والبيئي.
هذا الضغط البشري غير المسبوق في تاريخ النزوح المعاصر جعل الفرد الواحد يعيش في مساحة أضيق من الممكن لإنسان أن يحيا بها، بلا مياه صالحة للشرب، ولا شبكات صرف صحي، ولا حتى متسع لوضع خيمة بالمعنى الحقيقي، لتبدو غزة وكأنها جُردت تدريجياً من هوامش العيش، وباتت مجرد مساحة جغرافية خنقت أنفاس ساكنيها.
عدوان متواصل لا يتوقف
تُواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي، للشهر الـ 11 على التوالي، خرق اتفاقية وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب العدوانية والإبادة الجماعية في قطاع غزة، تزامنًا مع تشديد الحصار وإغلاق معابر القطاع المنكوب.
وتخرق قوات الاحتلال، لليوم الـ 335 تواليًا، اتفاقية وقف إطلاق النار وإنهاء جريمة الإبادة الجماعية ضد المدنيين في قطاع غزة؛ والمستمرة للعام الـ 3 على التوالي، تزامنًا مع استمرار وتشديد الحصار، ما يُسفر عن مزيد من التدمير والمعاناة للمدنيين والنازحين إلى جانب ارتقاء شهداء وتسجيل إصابات.
وترتكب "إسرائيل" خروقات وقف إطلاق النار، خلافًا لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 31 يوليو/ تموز 2026 حول التوصل إلى "اتفاق جديد" للشروع في المرحلة الثانية من "خارطة الطريق" الخاصة بقطاع غزة.
