يدخل المسجد الأقصى المبارك مرحلة جديدة من التصعيد خلال اقتراب موسم الأعياد اليهودية، والذي لا تبدو فيه الاقتحامات مجرد أحداث موسمية عابرة، بل أدوات لتغيير المشهد داخل أحد أقدس المواقع الإسلامية، عبر تكثيف اقتحامات المستوطنين، وإدخال الطقوس الدينية إلى باحاته.
وتتزامن هذه المخاوف مع موسم "ديني" طويل يبدأ برأس "السنة العبرية" في 12 و13 أيلول/سبتمبر الجاري، مرورًا بـ"يوم الغفران" في 21 من الشهر، ثم عيد العرش من 26 أيلول/سبتمبر حتى 2 تشرين الأول/أكتوبر، وصولًا إلى "ختمة التوراة/فرحة التوراة" في 3 تشرين الأول/أكتوبر.
وحذرت محافظة القدس من استغلال هذه المحطات لتوسيع الاقتحامات والطقوس وفرض تغييرات على أوقات ومساحات وجود المقتحمين داخل الأقصى.
تغيير الواقع..
وتقول محافظة القدس إن جوهر الخطر لا يكمن فقط في عدد المستوطنين الذين قد يقتحمون المسجد خلال الأعياد، وإنما في طبيعة الممارسة التي يراد تثبيتها من خلال التكرار والحماية الرسمية.
ونبَّهت "المحافظة" من تحويل الاقتحام والطقوس إلى سلوك متكرر، ثم التعامل معه لاحقًا باعتباره جزءًا من "الوضع القائم"، يفتح الباب أمام إعادة تعريف طبيعة المسجد الأقصى ومكانته.
وفي هذا السياق، حذرت محافظة القدس من تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي تحدث خلال اقتحامه الأقصى عن فرض الطقوس "شيئًا فشيئًا" وصولًا إلى ما يسمى "الهيكل"، معتبرة أن هذه التصريحات تكشف مسارًا تدريجيًا وتراكميًا يبدأ بممارسات محدودة، ويسعى إلى تحويلها لاحقًا إلى واقع ثابت.
ولا يأتي هذا التحذير من فراغ؛ فقد شهد المسجد في تموز/ يوليو الماضي اقتحام آلاف المستوطنين خلال ما يسمى "ذكرى خراب الهيكل"، بالتزامن مع اقتحام بن غفير للمسجد وأداء طقوس تلمودية ورفع أعلام الاحتلال داخل باحاته، في مشهد اعتبرته الرئاسة الفلسطينية محاولة لفرض وقائع جديدة وتقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم.
3 أهداف خلف الاستغلال
ويتضح من مسار الاعتداءات الأخيرة أن الاحتلال يلاحق ثلاثة أهداف رئيسية من وراء توظيف الأعياد في الأقصى يتمثل في فرض واقع جديد داخل المسجد، عبر جعل الاقتحامات الجماعية وأداء الشعائر التلمودية أمراً يومياً خلال المواسم الدينية، تمهيداً لتقسيمه زمانياً ومكانياً.
إلى جانب؛ تغيير هوية الأقصى، من خلال استغلال الموسم الديني لفرض طقوس ومظاهر تهويدية داخل الباحات، وتكريس رواية الاحتلال التي تحاول طمس الطابع الإسلامي والعربي للمسجد.
ويضاف إليها إحكام السيطرة، إذ تتحول الأعياد إلى محطة للتصعيد تستغل لفرض مزيد من القيود على دخول المصلين الفلسطينيين، وتقليص الوجود الإسلامي في المسجد، وتوسيع دائرة المنع والإبعاد بحق النشطاء والمرابطين.
أكثر من 40 ألف مستوطن منذ بداية العام
وتكشف الأرقام الرسمية الفلسطينية حجم التغيير المتسارع في المشهد؛ فقد وثقت محافظة القدس اقتحام 40,661 مستوطنًا للمسجد الأقصى منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية آب/أغسطس، بالتزامن مع تصاعد قرارات إبعاد المقدسيين عن المسجد.
وترى المحافظة أن الجمع بين المسارين يكشف سياسة متوازية: تقليص الحضور الفلسطيني في الأقصى من جهة، وتوسيع حضور المستوطنين واقتحاماتهم من جهة أخرى، بما يجعل موسم الأعياد محطة إضافية لتسريع هذا المسار.
أما في العام الماضي، فقد سجل تقرير لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية 280 اقتحامًا للمسجد الأقصى خلال 2025، مشيرًا إلى أن أداء الشعائر التلمودية خلال الاقتحامات أصبح ممارسة يومية، ومن بينها "السجود الملحمي" والنفخ بالبوق وارتداء ملابس الصلاة.
من الاقتحام إلى طقوس لفرض وقائع جديدة
وتحمل الطقوس التي تحاول جماعات "الهيكل" إدخالها إلى الأقصى دلالة تتجاوز مجرد الاقتحام؛ فإظهار الشعائر اليهودية داخل باحات المسجد، وتكرارها خلال مواسم محددة، يسعى إلى إنتاج صورة جديدة للمكان بوصفه مساحة دينية متنازعًا عليها، بدلًا من كونه مسجدًا إسلاميًا خالصًا وفق الوضع التاريخي والقانوني القائم.
وتحذّر محافظة القدس تحديدًا من محاولات توسيع أوقات ومساحات وجود المقتحمين، وفرض طقوس دينية جديدة، والتضييق على المصلين والعاملين في دائرة الأوقاف، باعتبارها خطوات متدرجة قد تتراكم لتغيير الواقع داخل المسجد.
ويكتسب هذا المسار خطورته من اقترانه بإجراءات موازية تستهدف الوجود الإسلامي؛ فقبل موسم الأعياد، سجلت محافظة القدس تصاعدًا في قرارات إبعاد المقدسيين عن الأقصى، بالتزامن مع استمرار الاقتحامات، وهو ما وصفته بأنه سياسة ممنهجة وليست إجراءات منفصلة.
غطاء شرطي ومحاولة فرض "الوضع الجديد"
ولا تجري هذه الاقتحامات بمعزل عن مؤسسات الاحتلال، إذ تتم في كثير من الحالات بحماية الشرطة الإسرائيلية، الأمر الذي يحوّلها من فعل أفراد أو جماعات متطرفة إلى ممارسة تحظى بغطاء رسمي.
وكانت ثماني دول عربية وإسلامية قد أدانت، في بيان مشترك قدمته الأمم المتحدة، استمرار اقتحامات المستوطنين والوزراء الإسرائيليين للمسجد الأقصى تحت حماية الشرطة، واعتبرت ذلك انتهاكًا للوضع التاريخي والقانوني القائم.
وفي تموز/ يوليو الماضي، وثقت جهات فلسطينية اقتحام آلاف المستوطنين للأقصى بحماية قوات الاحتلال، وأداء طقوس تلمودية ورفع أعلام الاحتلال داخل باحاته، بالتزامن مع إجراءات أمنية مشددة على أبواب المسجد ومنع أعداد كبيرة من المصلين من الوصول إليه.
ولا تقتصر حماية الوضع التاريخي والقانوني للأقصى على المواقف الفلسطينية؛ فقد أكدت الأمم المتحدة في مؤتمرها حول القدس عام 2026 ضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات، وحماية حرية العبادة والوصول إليها.
فيما شدد المشاركون على أن القدس الشرقية جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن وضعها النهائي لا يمكن تغييره بإجراءات أحادية الجانب.
وتؤكد اليونسكو في قراراتها المتعلقة بالبلدة القديمة في القدس ضرورة احترام الوضع القائم في المسجد الأقصى/الحرم الشريف، والحفاظ على سلامته وأصالته، فيما تواصل إدراج البلدة القديمة وأسوارها على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر.
ويؤكد المسار الدولي كذلك الدور الحصري لدائرة أوقاف القدس التابعة للأردن في إدارة شؤون المسجد، وهو ما شددت عليه وثائق اليونسكو والمواقف الدولية ذات الصلة بالحفاظ على الوضع التاريخي للمقدسات.
بوابة لتسريع المخطط
وبذلك، تبدو أعياد هذا العام بالنسبة إلى جماعات "الهيكل" أكثر من مجرد مناسبات دينية؛ فهي تتحول إلى محطات ضغط متتابعة لاختبار حدود الاقتحام والطقوس والحضور داخل الأقصى.
فكل ممارسة تتكرر تحت حماية الاحتلال تصبح خطوة في مسار أوسع يسعى إلى تطبيع وجود المستوطنين وطقوسهم داخل المسجد.
وتزداد خطورة الموسم الحالي في ظل اقترابه من الانتخابات الإسرائيلية، إذ حذرت محافظة القدس من توظيف المسجد الأقصى والقدس في المنافسة السياسية، بما قد يدفع نحو مزيد من المزايدات وفرض الوقائع والإجراءات المتطرفة على الأرض.
وبينما تتوالى "الأعياد اليهودية" حتى مطلع تشرين الأول/أكتوبر، يقف الأقصى أمام اختبار جديد: هل تبقى الاقتحامات والطقوس إجراءات استثنائية ترفضها المرجعيات الدينية والقانونية، أم تتحول بفعل التكرار والحماية الرسمية إلى "واقع جديد" يسعى الاحتلال إلى فرضه ثم البناء عليه؟
