في دير رازح جنوب الخليل، لم تعد الأرض التي اعتاد الأهالي زراعتها أو رعي مواشيهم فيها مصدرًا للرزق كما كانت؛ فالتوسع الاستيطاني المتسارع حوّل مساحات واسعة من محيط القرية إلى مناطق يصعب على أصحابها الوصول إليها، فيما امتدت مضايقات المستوطنين إلى الطرق والحقول وحتى المنازل، لتتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مستمرة من أجل البقاء.
ومن بين أكثر ما يوجع أهالي دير رازح فقدانهم مصادر رزقهم الأساسية، إذ يقول المواطن خليل عمرو لـ"وكالة سند للأنباء" إن القرية "انحرمت من الأراضي الزراعية، وانحرمت من أراضي الرعي، وانحرمت من كل إشي"، بعدما تمدد الاستيطان حولها وعلى جانبها الشرقي.
ولا تقف معاناة الأهالي عند فقدان الأرض، وفق عمرو، بل تمتد إلى الشارع العام الذي أصبح ساحة للمضايقات اليومية، موضحًا: "كل يوم بيجي المستوطن بضايق، بطلع رايح جاي مع الشارع كأنه شارع أبوه".
وأمام هذا الواقع، يطالب عمرو الجهات المعنية بالوقوف إلى جانب أهالي القرية ودعمهم في الزراعة وتربية المواشي، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة والصمود، قائلًا: "بدنا وقفة من الجهات المعنية تساندنا، من الناحية الزراعية ومن ناحية المواشي، وأقل إشي يسمعوا صوتنا ويوفرولنا مقومات الحياة".
استيطان يتمدد
ومع اتساع البؤرة الاستيطانية، لم تعد الاعتداءات محصورة بالأراضي الزراعية والمراعي، بل بدأت تلامس تفاصيل حياة السكان اليومية، بحسب عضو مجلس قروي دير رازح شيرين أبو شرخ، التي تقول لـ"وكالة سند للأنباء"، إن الاستيطان توسع في الآونة الأخيرة "بطريقة مش طبيعية"، بعدما استغل المستوطنون مساحات واسعة في المنطقة.
وتوضح أبو شرخ أن المستوطنين بدأوا في البداية بمحاولة تثبيت وجودهم في منطقة محددة، قبل أن يتوسع نفوذهم وتتحول البؤرة إلى مصدر مضايقات طالت المجتمع المحلي والبيوت والأطفال والمواشي، مضيفة: "الرعب دب في الأطفال كثير مع الأهالي، وصار كل إشي موجود في دير رازح بده يعتبره ملك إله".
ومع هذا التمدد، بات تدخل المستوطنين يتجاوز حدود الأرض، إذ تشير أبو شرخ إلى أن مجرد تجمع بسيط للأهالي قد يستدعي حضور المستوطنين أو جيش الاحتلال للاستفسار عن سببه، قائلة: "أكثر من مرة نلاقي المستوطن جاي والجيش جاي: إنتو شو بتساووا؟".
ولم تتوقف المضايقات عند ذلك، بحسب أبو شرخ، إذ تطورت إلى محاولات للسيطرة على الممتلكات الشخصية، بالتزامن مع حرق مساحات زراعية في الجبال، بهدف منع الرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى المراعي ورعي مواشيهم.
من "شعب العمارة" إلى بؤرة
ويعود التوسع الاستيطاني في دير رازح إلى سنوات، إذ بدأت أطماع المستوطنين عام 2000 في منطقة جبلية تعرف باسم "شعب العمارة"، قبل أن تتخذ منحى أكثر خطورة في ديسمبر/كانون الأول 2024، حين نصب مستوطنون نحو 15 بيتًا متنقلًا لإقامة بؤرة استيطانية رعوية.
ومع مرور الوقت، تصاعدت عمليات التجريف؛ ففي أغسطس/آب 2025 شق المستوطنون، تحت حماية جيش الاحتلال، طريقًا استيطانيًا بطول 3 كيلومترات، ما أدى إلى مصادرة وتدمير ونزع ملكية نحو 400 دونم من الأراضي الزراعية التي تعود لعائلات في القرية، ولا سيما عائلة عمرو.
ويزيد موقع القرية من صعوبة مواجهة هذا التوسع، فهي تقع على بعد نحو 8 كيلومترات جنوب مدينة الخليل وتتبع بلدة دورا، فيما تقع غالبية أراضيها والجبال المحيطة بها ضمن المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو، وهو تصنيف يستغله الاحتلال لمنع التوسع العمراني الفلسطيني وإصدار إخطارات الهدم بدعوى عدم الترخيص.
شريان حياة يضيق يومًا بعد يوم
ولا تتوقف الضغوط عند مصادر الدخل، إذ يعاني سكان دير رازح أيضًا من نقص حاد في مقومات الحياة الأساسية؛ فالمياه والكهرباء تصلان بكميات محدودة، بينما يعيق الاحتلال تطوير الشبكات والخطوط الناقلة بحجة وقوعها في مناطق "ج".
وفي الجانب الصحي، يفتقر المركز الطبي في القرية إلى طواقم تشغيلية ثابتة ومعدات كافية، ما يضطر الأهالي إلى قطع مسافات للوصول إلى مستشفيات دورا أو الخليل، في وقت تزيد فيه إغلاقات الطرق ومضايقات المستوطنين من صعوبة الوصول إلى العلاج.
أما الأطفال، فلا يبتعدون عن دائرة الخطر؛ فمع انطلاق العام الدراسي الجديد، تواجه مدرسة دير رازح خطرًا حقيقيًا يهدد استمرار العملية التعليمية، في ظل التوسع الاستيطاني واضطرار الطلبة إلى سلوك طرق عامة يسيطر عليها مستوطنون مسلحون.
