تتجاوز الممارسات الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية حدود الاعتداءات والإجراءات الميدانية المعزولة، لتكشف عن بنية استيطانية متكاملة تستهدف إعادة هندسة الحيز وشروط الحياة برمتها.
وفي قراءة تحليلية عميقة لهذه المنظومة، تفكك منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية في تقريرها الجديد الذي حمل عنوان "مشروع المحو" آلية مترابطة تعمل على تفكيك الوجود الفلسطيني كجماعة سياسية ووطنية واجتماعية؛ بحيث يتحول الوجود الفلسطيني إلى كيان مجزأ، وهش، وتابع، مقابل تكريس وجود استيطاني متصل ودائم ينهي أي أفق للمطالبة السياسية أو تقرير المصير.
يرتكز تقرير "بتسيلم" على خمسة محاور مترابطة ومتكاملة لا تعمل بمعزل عن بعضها، مستهلاً بالعنف الممنهج الذي تضعه المنظمة في مركز الآلية باعتباره أداة الإكراه الأساسية لخلق مناخات الرعب والردع ودفْع السكان للرحيل القسري.
وتتكامل هذه الأداة مع شبكة معقدة من تقييد الحركة عبر الحواجز والبوابات العسكرية وما تسمى "شوارع الأبارتهايد"، إلى جانب الخنق الاقتصادي المبرمج الذي يضرب مصادر الرزق ويكرس التبعية والهشاشة المؤسسية والخدماتية.
ولا يغفل التقرير البعد السياسي والاجتماعي المتمثل في حملات الاعتقال الواسعة وملاحقة النشطاء والصحفيين والأكاديميين لردع أي حراك مدني أو تنظيمي، وصولاً إلى التطهير العرقي والاستيلاء المباشر على الحيز الجغرافي عبر الهدم ومصادرة الأراضي.
ويربط التقرير هذا كله بـ "خطة الحسم" للوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش الصادرة عام 2017، معتبرًا إياها الوثيقة المرجعية التي تترجم اليوم ميدانيًا عبر ميزانيات وممارسات أذرع الدولة المختلفة لفرض الضم الفعلي على الأرض.
أرقام الهدم والتهجير..
وتتكشف حدة هذا المسار بوضوح في لغة الأرقام الصادمة التي ساقها التقرير، وتتقاطع مع رصد المؤسسات الرسمية والأممية؛ إذ تشير المعطيات الموثقة إلى أن السلطات الإسرائيلية هدمت منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى نهاية يونيو/ حزيران 2026 نحو 2775 مبنى في عموم الضفة الغربية و692 مبنى في شرق القدس بحجة البناء دون ترخيص.
ومن بين مجمل المباني المهدمة، وثق التقرير تدمير 1198 منزلاً سكنياً، وهو ما أدى إلى فقدان 4258 شخصاً منازلهم، بينهم 2083 قاصراً شُردوا قسراً في العراء.
وفي قراءة تفصيلية لتسارع وتيرة هذه السياسات، يبيّن التقرير أن عام 2024 شهد هدم 869 مبنى في الضفة الغربية باستثناء شرق القدس (كأعلى رقم مسجل خلال عقدين)، قبل أن يتصاعد الهدم بصورة قياسية مسجلاً 1195 مبنى في عام 2025.
وتتكامل هذه الأرقام مع تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والبيانات الأممية التي وثقت تجاوز حصيلة الهدم والإخلاء الإجمالية حاجز الـ 4 آلاف منزل ومنشأة حتى منتصف عام 2026، متزامنة مع تحذيرات أممية وحقوقية مستمرة من تفاقم البيئة القهرية وعنف المستوطنين المستعر الذي يستهدف القرى والتجمعات البدوية والرعوية بالاجتثاث الكامل.
تغوّل الاستيطان الرعوي والضم الفعلي للأرض
في السياق ذاته، يعزز التقرير المشترك الصادر عن منظمات حقوقية إسرائيلية تشمل "يش دين"، "بيمكوم"، و"هاموكيد" هذه القراءة، مؤكدًا أن الإجراءات الإسرائيلية تجاوزت التجمعات البدوية الصغيرة في المنطقة (ج) لتطوق بلدات ومدن بأسرها في عمق الضفة الغربية.
وتبرز في قلب هذا التمدد الاستعماري ظاهرة "الاستيطان الرعوي" والبؤر الزراعية التي تحولت إلى ذراع استراتيجية للاستيلاء على التلال الجبلية ومحاصرة القرى الفلسطينية بأثمان زهيدة ودعم حكومي ومالي مطلق.
وتوضح هذه التقارير أن هذه الممارسات المتزامنة من عنف منظم، ومصادرة واسعة للأراضي، وعزل للمجتمعات تترجم هدفًا حكوميًا معلنًا بضم أكبر مساحة من الضفة بأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين، محولة التدابير المؤقتة إلى واقع ضم فعلي وقائم بقوة السلاح.
ولم يعد هذا الضغط المستعر محصورًا في الأطراف النائية، بل تماهى ميدانيًا مع نقل أنماط واسعة من القوة المفرطة والتدمير الشامل من قطاع غزة إلى مخيمات ومدن الضفة الغربية، متزامنًا مع تغطية حكومية وعسكرية واسعة لتقطيع أوصال المحافظات الفلسطينية وتدمير البنية التحتية للطرق وشبكات المياه والكهرباء.
وفي ظل هذا الزحف الاستعماري الممنهج، يندد الفلسطينيون رسميًا وفصائليًا وشعبيًا بما اعتبروه حرب تطهير عرقي متكاملة الأركان تستهدف الوجود والذاكرة، وسط دعوات متصاعدة للمجتمع الدولي ومؤسساته الأممية إلى مغادرة مربع الصمت والإدانة الخجولة، وفرض عقوبات حقيقية وملموسة لردع مخططات التهجير وتفكيك منظومة الاحتلال والاستيطان قبل فوات الأوان.
