الساعة 00:00 م
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.03 جنيه إسترليني
4.25 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.46 يورو
3.01 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

بوابة نيويورك الموصدة.. كيف تعيد واشنطن رسم خطوط العلاقة مع السلطة الفلسطينية؟

توقف الإجلاء الطبي لليوم الثاني.. أكثر من 20 ألف مريض وجريح عالقون في غزة

من شحن الحاسوب بالعتمة إلى الحوسبة الكمومية.. قصّة غزيّة اختارت النور وسط العتمة

حجم الخط
آلاء المدهون
غزة – أحلام عبد الله – وكالة سند للأنباء

حين تعذّر على آلاء أحمد المدهون شحن حاسوبها المحمول وسط العتمة ونقص الإمكانيات، لم تتوقف عن كتابة فصلٍ تعمل عليه حول "الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية"؛ بل أمسكت ورقة وقلمًا، وواصلت خط حروفها بإصرار يرفض الاستسلام، حتى تمكنت لاحقًا من إعادة نقل ما كتبته إلى جهازها.

هي حكاية امرأة غزّية أبت أن ترتدي "بدلة الإعدام" وتنتظر الموت، فاتخذت من العلم درعًا، ومن الإرادة طريقًا نحو حلمها الكبير في أن تصبح أكاديمية في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي.

في حي الشيخ رضوان شمالي قطاع غزة، وبينما كانت آليات الاحتلال تحاصر المكان وتقترب منها، كانت آلاء تضع سماعاتها وتترجم، تقرأ، وتبحث. لم تكن الظروف تسمح لها بمواصلة دراستها على نحو طبيعي، لكنها لم تجد في ذلك سببًا للتخلي عن الطريق الذي اختارته منذ سنوات؛ طريق العلم والبحث، وحلمها الراسخ بأن تصبح أكاديمية في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وتلخّص آلاء فلسفتها في الحياة، في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء"، بالقول: "أنا ما بدي أموت، ولا بدي أستنى دوري بالموت".

لم يكن اختيار آلاء للذكاء الاصطناعي مجرد خطوة تقليدية للحصول على شهادة جامعية؛ فقد اتجهت إليه حين التحقت ببرنامج الماجستير في الجامعة الإسلامية لكونه مجالًا حديثًا وغير متداول على نطاق واسع في ذلك الحين، رغبةً منها في ارتياد مساحة علمية مختلفة وبناء اسمٍ مميز فيها، بعدما استشارت والدها في الأمر.

ومنذ المرحلة الثانوية، راودها حلم بأن تصبح دكتورة أكاديمية في الإعلام، حتى إن جدها -رحمه الله- كان يناديها بـ "الدكتورة" لطلاقة لسانها.

وبعد استشهاد زوجها شاهر المدهون قُبيل حرب الإبادة، شجعها والدها على استكمال تعليمها، واضعًا يده بيدها لتبقى متسلحة بالعزيمة حتى بلوغ درجة الدكتوراه.

لكن هذا الدرب الأكاديمي لم يكن بمعزل عن مسؤوليات جسام؛ فقد تحولت حياتها بعد فقد زوجها إلى مسؤولية مضاعفة، إذ أصبحت "أمًا وأبًا" لطفلها (عبد الله) الذي بلغ عامه الأول آنذاك، بعد تسع سنوات من انتظاره.

أمومة لا تلغي الطموح

تصف آلاء حياتها الزوجية قبل استشهاد شاهر بأنها كانت قائمة على التفاهم والتعاون، مشيرة إلى أنه كان الداعم الأول لها لصقل شخصيتها والالتحاق بالدورات التدريبية.

وبعد رحيله، سعت إلى التوازن الصعب بين رعاية طفلها ومواصلة دراستها، مؤمنة بأنها تسير في خطين متوازيين لا تطغى فيهما حياة طفلها على طموحها، ولا طموحها على حق طفلها.

طوال السنوات الخمس الأولى من عمر عبد الله، جعلته أولويتها المطلقة؛ فكان يرافقها إلى المحاضرات والورش التدريبية، تقضي نهارها في رعايته، وتستثمر ساعات نومه ليلًا في القراءة والدراسة، مخصصة يومي الخميس والجمعة بالكامل له.

ومع تقدمه في العمر واكتسابه المزيد من الاعتماد على نفسه، ظل رفيقاً لخطواتها العلمية والمهنية، وتصفه بـ "صاحبها" الذي تقاسم معها تفاصيل الرحلة.

الكتابة تحت القصف

خلال الحرب، لم تتوقف آلاء عن القراءة والبحث والتجربة رغم انقطاع الكهرباء والإنترنت وشح الظروف المناسبة.

وحين نفدت بطارية حاسوبها، استبدلتها بالورقة والقلم، مستحضرة حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فإن غرسها.."، مؤمنة بأن ما تزرعه اليوم ستجني ثماره هي إن كتبت لها الحياة، أو يحصده غيرها إن كانت الشهادة نصيبها.

ولم تنزح آلاء من شمال القطاع طوال أشهر الحرب، باستثناء الأيام الأخيرة التي سبقت الهدنة بعشرة أيام، حين اضطرت لمغادرة حي الشيخ رضوان نتيجة خطورة الوضع بالقرب من البركة، في نزوحها الأول والأخير.

تدريب وبحث وإنجازات متواصلة

إلى جانب دراستها الأكاديمية، خاضت آلاء غمار العمل الميداني والتدريبي؛ فشاركت في إعداد وتقديم ورش تدريبية في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وساهمت في تنفيذ أول فعالية وجاهية لقسم الإعلام في الكلية الجامعية بعد اندلاع الحرب من خلال ملتقى إعلامي تدريبي يوظف الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى.

وفي مطلع عام 2026، توجت جهودها بحصولها على شهادة تدريبية معتمدة في الذكاء الاصطناعي على مستوى الوطن العربي.

وفي الفترة الأخيرة، شاركت في تأليف كتاب يناقش تقاطعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية (الذي ينتظر التدقيق والنشر)، إلى جانب دراستها لدبلوم الوسائط المتعددة، والتحاقها مؤخراً ببرنامج البكالوريوس في التدقيق اللغوي بالجامعة الإسلامية.

"الانكسار ليس من شيم نساء غزة"

تؤمن آلاء بأن العلم مسؤولية لا تقف عند حدود الشهادة الشخصية، بل تمتد لمساعدة الطلبة وتقديم المعرفة بلا بخل.

وتحت وطأة الفقد والظروف القاسية، واجهت الكثير من الأصوات المثبطة، لكنها اختارت إغلاق أذنيها عنها والتركيز على أهدافها، مدعومةً بعائلة أحيطت بالدفء والمساندة.

وتوجه رسالة لكل نساء غزة قائلة: "الانكسار ليس من شيم نساء غزة، الواقع صعب، لكن الاستسلام أصعب".

تفخر آلاء اليوم بأنها تقترب بخطى ثابتة من تحقيق حلم الطفولة الذي تبلور في رسالة الماجستير، لتختصر رسالتها بالقول: "إني حاملة رسالة، وأسأل الله أن يتقبل مني ويعينني على مواصلة الطريق".

ويبقى طموحها الأسمى متمثلاً في نيل درجة الدكتوراه في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، لتتحقق نبوءة جدها الراحل حين كان يناديها دائمًا: "الدكتورة آلاء أحمد المدهون".