الساعة 00:00 م
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.03 جنيه إسترليني
4.25 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.46 يورو
3.01 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

بوابة نيويورك الموصدة.. كيف تعيد واشنطن رسم خطوط العلاقة مع السلطة الفلسطينية؟

توقف الإجلاء الطبي لليوم الثاني.. أكثر من 20 ألف مريض وجريح عالقون في غزة

بالصور حراسة الوعي من تحت الركام.. ملاحم فردية لإحياء المكتبات على أطلال غزة

حجم الخط
مكاتب غزة فوق الركام
غزة – هداية عصمت حسنين – وكالة سند للأنباء

حين تتهاوى الجدران وتتكدس أطنان الإسمنت والرماد فوق بعضها البعض، لا تقتصر الخسارة على تهدم الحجر وتشريد البشر فحسب، بل تتعمد آلة القصف الإسرائيلي طمس الذاكرة واجتثاث جذور الهوية من عمق التاريخ.

غير أن الحالمين في قطاع غزة، ممن آمنوا بسلطة المعرفة وسحر الكلمة، أبوا إلا أن يكون الموت هو الفصل الأخير في روايتهم. فعلى حين كان البارود يسعى محمومًا لمحو كل أثر للحياة، انبرى أفراد يستميتون لاقتناص اللحظة من بين أنياب الفناء، فيحملون كتابًا، أو ينتشلون مجلدًا، كمن يروي روحه العطشى ويحرسها من التشتت والضياع.

إنها ملحمة إنسانية فريدة وناطقة بالصمود، يخوضها ناس عجنوا أرواحهم بعشق الحرف والمعرفة، محولين الخيام الضيقة وأكوام الركام إلى منارات فكرية تقاوم الاندثار، ليروون لـ "وكالة سند للأنباء" حكايات بعث ثقافي تثبت أن الكتاب في غزة لم يقتصر على كونها ورقة تُقرأ وتطوى، بل غدا درعًا متينًا تتكسر على صخرته العاتية رياح الإبادة والتجهيل الممنهج.

محمد سعد.. ملحمة الـ 100 ألف كتاب

لم يكن الحاج محمد سعد (59 عامًا) ينقب بين ركام مدينة بيت لاهيا شمال القطاع بحثًا عن أثاث منزلي أو مقتنيات مادية نالها الدمار؛ بل كان يلاحق نبضًا مدفونًا وتوثيقًا لعمر كامل تمثل في مئة ألف كتاب جمعها على مدى 35 عامًا من الشغف بالقراءة والمطالعة.

وبينما كانت حرب الإبادة تسوي مئات المكتبات والمراكز الثقافية بالأرض، رأى "سعد" في كل مجلد ينتشله بيديه العاريتين (وسط مخاطر الموت المحدقة على مدار ثلاثة أيام متواصلة) انتصارًا معنويًا صارخًا على آلة استهدفت اغتيال الذاكرة الإنسانية.

محمد سعد 222.jpg

محمد سعد 333.jpg

محمد سعد 111.jpg
 

وعقب رحلة نزوح قاسية شملت نحو 15 محطة تنقل فيها بين أرجاء القطاع، حطّ الرجل رحاله في خيمة متواضعة بدير البلح وسط القطاع.

وهناك، حيث انعدمت أبسط مقومات البقاء وغابت الخزائن والأخشاب تمامًا، غدت خيمته واحة معرفية فريدة اضطر فيها لصف كتبه الناجية على الرمال والرصيف المقابل، معرضة لغبار المارة وتقلبات الطقس.

وفي كل صباح، يعود لينفض بيده التراب عن أغلفة الكتب مثل كتاب "فلسطين.. القضية الكونية"، ورغم قسوة الواقع وضيق المكان، يرفض "سعد" الاستسلام، ويعرض كتبه بأسعار رمزية تراعي حال السكان المعدمين، غايته الأسمى إتاحة المعرفة لأكبر عدد ممكن من القراء، مؤكدًا أن نشر الوعي في مجتمع أنهكته الحرب لا يقل شأنًا عن تأمين رغيف الخبز.

محمد سعد.jpg
 

"مكتبة العنقاء".. طائر يُبعث بستة آلاف كتاب

من قلب الحرب الأقسى، برزت "مكتبة العنقاء" صرحًا ثقافيًا أقدم على تأسيسه الشاب عمر حمد بمساعدة صديقه إبراهيم المصري وسط مدينة غزة، لتكون ملاذًا معرفيًا للغزيين بعد أن أكلت الحرب الأخضر واليابس.

يوضح "حمد" أن المبادرة ولدت إدراكًا عميقًا لحجم المأساة المتمثلة في تدمير الاحتلال لمئات آلاف الكتب والمراكز المعرفية.

وسُميت المكتبة تيمنًا بطائر العنقاء الأسطوري الذي ينبعث دائمًا من بين الرماد، لتحتضن اليوم 6 آلاف كتاب جُمع جزء كبير منها بحذر ومغامرة بالغة من تحت أنقاض المكتبات المدمرة، كمكتبة الجامعة الإسلامية ومكتبة "إدوارد سعيد" في بيت لاهيا، إلى جانب كتب أخرى أُعيد طباعتها بجهود مضنية.

ولم يكتفِ المؤسسان بإنقاذ الكتب، بل جعلا من المكان واحة هادئة تتيح للطلاب والباحثين والقراء استعادة شغفهم، لتؤكد "العنقاء" أن غزة التي تضحي بالدم قادرة بالقدر ذاته على صناعة الحياة والوعي.

مكتبة العنقاء2.jpg
مكتبة العنقاء.jpg
 

من رماد الحطب.. "مكتبة الخيمة" درع في وجه التجهيل

في مشهد آسر آخر من ملاحم التحدي اليومي، برزت مبادرة النازحة نيفين الغرابلي وزوجها رؤوف، والتي انطلقت شرارتها الأولى من رحلة بحث شاقة ويومية عن حطب الطهي والتدفئة في ظل شح غاز الطهي، لتنتهي بالظفر بكنوز معرفية انتشلتها نيفين من بين ركام البيوت المدمرة.

وفي وقت اضطر فيه كثرٌ لاستخدام الكتب البالية وقودًا للنار لعدم توفر البدائل، آثر الثنائي تنظيف وترميم مئات الكتب التي تعرضت للحرق، أو التمزيق، أو التلف.

وأنشأ الزوجان "مكتبة الخيمة" ذات الرفوف البدائية، مصنفين محتوياتها بعناية دقيقة لتشمل علوم القرآن والتلاوة، الطب، الحاسوب، والسلوك وعلم النفس. ولم تكن هذه الخيمة مجرد رفوف قماشية عادية، بل تحولت إلى حصن منيع يحارب التجهيل الممنهج الذي تستهدف به الحرب طمس عقول جيل كامل نشأ بلا مدارس ولا جامعات، مدعومين بروح الشراكة الحقيقية والسند المتبادل.

مكتبة الخيمة 3.jpg

 

مكتبة الخيمة.jpg

 

إبادة ثقافية ممنهجة مقابل إرادة لا تُكسر

تجسد الانتهاكات الهائلة التي طالت البنى التراثية والثقافية والمؤسسية في قطاع غزة استهدافًا ممنهجًا لاقتلاع الذاكرة الجماعية لشعب كامل.

وبحسب تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، دمر الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الجماعية نحو 97% من المواقع الأثرية والثقافية المسجلة في القطاع، حيث طال التدمير 316 موقعًا تاريخيًا وثقافيًا من أصل 325 موقعًا.

وتعرضت عشرات المباني التاريخية، والمكتبات العامة والجامعية، والمتاحف لأضرار جسيمة أو تسوية كاملة بالأرض، بما في ذلك تدمير الأرشيف المركزي لمدينة غزة الذي ضم عشرات الآلاف من الوثائق والخرائط التاريخية، واستشهاد عشرات العاملين في الحقل الثقافي.

وعلى الرغم من بشاعة هذه الجريمة المكتملة الأركان الهادفة لاجتثاث الهوية الفلسطينية وتغيبها عن الوجود، فإن الشموع الفردية التي أشعلها محمد سعد برغم قسوة الخيمة، وعمر وإبراهيم في "العنقاء"، ونيفين وزوجها في "مكتبة الخيمة"، تثبت يقينًا أن الثقافة الفلسطينية ليست كيانًا هشًا يمكن سحقه بالقنابل وصواريخ الطائرات؛ بل هي جينات متأصلة في عقل الإنسان الغزي الذي يقرأ ليحيا، ويحفظ ذاكرته كي لا يندثر، ويحرس وعيه بكل ما أوتي من قوة كي يبقى طائرًا معلقًا بالحياة والأمل.