في المسجد العمري الكبير بالبلدة القديمة شرق مدينة غزة، ثمّة يدٌ لا تملّ الترتيب، عاهدت نفسها أن تنفض الغبار عن تاريخ يحاول الاحتلال محوه وتزييفه، تعيد رصّ الكتب في مكتبة المسجد القديمة، وترسم لوحة صمود وإصرار على البقاء رغم الإبادة.
الشاب كريم الخضري، قرر أن يواجه آثار الدمار والرماد بمبادرة شخصية لحماية كنوز المكتبة التاريخية في المسجد العمري، بتنظيف ما تبقى من الكتب وترتيبها، في مهمةٌ تطوعية يسابق فيها الزمن، لتبقى الحكاية مرتبة والرفوف شاهدة، حتى في أصعب الظروف.
ويقول الشاب "الخضري"، إن مكتبة المسجد العمري هي من أقدم المعالم التاريخية في غزة، وتضم الآلاف من الكتب القديمة والتاريخية.
ينفض الغبار عن أحد الكتب، ويواصل حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "هذه المبادرة نبعت من قلوبنا، ومن داخلنا بأن نحافظ على هذا الإرث التاريخي الكبير، وأن نحافظ على هوية المسجد العمري القديم".
وعن طبيعة العمل في هذه المبادرة، يقول الخضري إن العمل تم على مراحل وخطوات.
ويخبرنا: "بداية تم توثيق المشهد الصادم الذي كانت عليه المكتبة، وبعدها بدأنا بالتنظيف بإزالة الحجارة الضخمة بأدوات ومعدات بسيطة".
وعن أبرز التحديات التي واجهت الشاب المبادر، يقول: "أنا وصديقي الذي يساعدني في المبادرة، لا نملك خبرة في عمل المكتبات وتصنيف الكتب وحمايتها، بعض الكتب تعود لسنوات بعيدة جدًا، وهو ما يحتاج مختصين وأشخاص ذوي خبرة في هذا المجال".
على الرغم من ذلك بدأ الخضري مشواره برفقة صديق له، بالتنظيف قدر الإمكان ورفع الكتب عن الأرض، ويقول: "قمنا بفرز الكتب المحروقة لوحدها وتعاوننا مع فريق آخر في هذه المرحلة".
وخلال ساعات عملهم الشاق، لا تفارق طاشرات الاحتلال المسيّرة السماء، وعن ذلك يقول: "طائرات الدرون لم تفارق السماء طوال الوقت صوتها قريب ومرعب طوال الوقت، أحيانًا كنا نتررد بالعمل بسبب قربها، لكننا نعود ونكمل عملنا".
ويردف: "الخط الأصفر قريب منا، وأصوات الدبابات قريب جدًا ومزعج، الوضع الذي نعيشه صعب جدًا لكننا مستمرون بعملنا".
وبكلمات واثقة يتختم حديثه بالقول: "الرسالة التي أريد أن أوجهها لكل العالم، أننا لا زلنا موجودون فوق هذه الأرض وسوف نعمرها بإذن الله يدًا بيد".
وعلى مدار عامين من الإبادة، دمّرت "إسرائيل" المعالم التاريخية بما فيها المساجد والكتبات في قطاع غزة، في محاولة لمحو التاريخ العريق من القطاع المنكوب.
وفي معطيات سابقة نشرها المكتب الإعلامي الحكومي، فقد استهدفت صواريخ وقنابل الاحتلال (1109) مسجدًا تدميرًا كليًا أو جزئيًا، من أصل (1244) مسجدًا في قطاع غزة بما نسبته (89%)، حيث بلغ عدد المساجد المدمرة كليًا (834) مسجدًا سويت بالأرض وتحولت إلى أنقاض، وتضرر (275) مسجدًا بأضرار جزئية بليغة مما جعلها غير صالحة للاستخدام، ما أثر بشكل مباشر على أداء الشعائر الدينية وإقامة الصلوات.
ووصل إجرام الاحتلالِ إلى قصف مساجد ومصليات على رؤوسِ المصلينَ الآمنين كما حدث في مصلى مدرسةِ التابعين في مدينةِ غزة، ودمرت آلته الحربية مساجد أثرية وعلى رأسها المسجد العمري الكبير بمدينة غزة.
