في مدينةٍ تعرف جيدًا معنى الفقد والاعتقال وهدم المنازل، ارتفعت الزغاريد مساء أمس السبت من استاد دورا الدولي، لا احتفالًا بـ 44 عريسًا وعروسًا فحسب، بل إعلانًا بأن الحياة قادرة على شق طريقها وسط الألم، وأن بناء البيوت وتأسيس الأسر يمكن أن يكون وجهًا آخر للصمود.
هنا، اجتمع 44 عريسًا و44 عروسًا في أول عرس جماعي وطني تنظمه مدينة دورا جنوبي غرب محافظة الخليل، بحضور آلاف المواطنين، في مبادرة حملت في تفاصيلها حكايات فلسطينية متعددة، وجمعت بين الفرح والتكافل، وبين قصص الأسر وهدم المنازل والإصرار على مواصلة الحياة.
عرس يحمل حكايات من الألم
ولم تكن قصص العرسان متشابهة، لكن كثيرًا منها تقاطعت عند تجربة الاحتلال؛ فمن بينهم أسرى محررون، وأشقاء أسرى، وشبان هدمت قوات الاحتلال منازل عائلاتهم، ليصبح الاحتفال مناسبة لاستعادة مساحة من الحياة التي تحاول الظروف القاسية انتزاعها من الفلسطينيين.
ومن بين هؤلاء العريس محمد نادر أبو هليل، الذي تحمل عائلته سجلًا ثقيلًا من الفقد والأسر؛ فعمه شهيد، وأحد أشقائه أسير ينتظر حكمًا بالسجن المؤبد، فيما أمضى شقيقه الآخر عشر سنوات في الأسر، ووالده أسير محرر، بينما هُدم منزل العائلة قبل نحو ستة أشهر.
ويقول عزمي أبو هليل لـ "وكالة سند للانباء"، -وهو أسير محر ووالد عريس-، إنه يحضر المناسبة مثقلًا بسنوات من الألم، لكنه يجد في فرحة نجله مساحة لاستعادة شيء من الحياة، قائلًا إن العائلة عاشت خلال السنوات الثلاث الماضية مرارة الاقتحامات واعتقال الأبناء وهدم المنزل.
ويضيف: "برغم الألم وهدم البيت والاقتحامات لبيتي والمرار منذ 3 سنوات واعتقال أبنائي، نشكر مدينة دورا على هذه البهجة".
"شعب يحب الحياة"
ويصف رئيس بلدية دورا، مهند عمرو، المناسبة بأنها انطلاق فعاليات "عرس دورا الوطني الأول"، معتبرًا أنها تحمل في شكلها ومضمونها تفاصيل من الواقع الفلسطيني اليومي.
ويقول "عمرو" إن العرس يمثل، بحسب تعبيره، "دليلًا على أننا شعب يحب الحياة"، مشيرًا إلى أن كل عريس مشارك يحمل قصة تجسد جانبًا من المعاناة الفلسطينية اليومية.
ويضيف أن الفرح في هذه المناسبة يأتي في مواجهة الظروف الصعبة، وأن المشاركين أرادوا من خلاله ممارسة حياتهم وبناء أسرهم رغم ما يحيط بهم من تحديات.
مبادرة لتخفيف أعباء الزواج
ولا تقتصر المبادرة على تنظيم حفل جماعي؛ إذ شملت أوجه متعددة من المساعدة للعرسان، من بينها المساهمة في تجهيز وتأثيث المنازل، وتخفيف تكاليف القاعات والصالونات ومستلزمات الأعراس.
وتوضح نائبة رئيس بلدية دورا المهندسة ليمور الصوص أن المبادرة تضم 44 زوجًا من العرسان والعرائس، وتهدف إلى مساعدة الشباب في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، من خلال تخفيف الأعباء المرتبطة بتجهيز البيوت وتكاليف إقامة الأعراس.
وتشير إلى أن لكل عريس من المشاركين حفل زفاف منفصلًا كان مخططًا لإقامته خلال الشهر الجاري، قبل أن تجمعهم المبادرة في احتفال جماعي يخفف عنهم جزءًا من تلك التكاليف.
الفرح بوصفه حياة
وعلى مدرجات استاد دورا الدولي، لم يكن حضور آلاف المواطنين مجرد مشاركة في احتفال عابر؛ فقد بدا المشهد أقرب إلى مساحة جماعية لاستعادة الفرح، ومساندة شباب اختاروا أن يبدأوا فصولًا جديدة من حياتهم رغم ثقل ما حملته السنوات الماضية.
وبين الزغاريد وملابس العرسان واحتشاد الأهالي، بدت قصص الأسرى والمحررين والبيوت المهدمة حاضرة في تفاصيل العرس، لكن الحاضر الأكبر كان للحياة نفسها؛ 44 عريسًا و44 عروسًا يبدؤون اليوم حكايات جديدة، من مدينة اختارت أن تجعل من الفرح فعلًا اجتماعيًا، ومن التكافل طريقًا لتخفيف الألم.
