لم تعد جدران المدرسة تحيط بالمعلم الفلسطيني في قطاع غزة، ولا المقاعد تحفظ للطلاب أماكنهم، ولا الساحات تستقبل ضحكاتهم؛ فبعد سنوات من الحرب والدمار، تحولت خيام النزوح إلى صفوف دراسية، وتحول الرمل إلى أرضية، بينما يواصل المعلمون حمل رسالتهم بين النازحين، متمسكين بحق الأطفال في التعلم رغم كل ما فقدوه.
وفي اليوم العالمي للمعلمين، الذي يوافق 5 تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام، يقف معلمو غزة في مقدمة مشهد تعليمي استثنائي، بعدما دُمّرت مدارسهم وشُرّدوا من منازلهم، ليعودوا إلى التدريس داخل خيام مؤقتة، محاولين تعويض ما فاته الأطفال من سنوات التعليم، وإعادة شيء من الحياة الطبيعية إلى يومهم المثقل بالحرب.
وتقول المعلمة الفلسطينية نيرمان أبو رزق إن المعلم الفلسطيني يعيش تجربة مختلفة عن نظرائه في العالم، فهو يحتفل بيومه العالمي بينما يواصل أداء رسالته من داخل الخيام
وتضيف لـ"وكالة سند للأنباء" أن المعلمين في غزة يحاولون إيصال رسالتهم إلى الطلاب ورفع معنوياتهم، في وقت يعاني فيه الأطفال من فاقد تعليمي كبير نتيجة الانقطاع الطويل عن الدراسة.
وتؤكد "أبو رزق" أن استمرار المعلمين في العمل هو رسالة للعالم بأن المعلم الفلسطيني، رغم الحرب والنزوح، ما زال متمسكاً بأرضه ومهنته وبحق طلابه في التعليم.
أما المعلم إبراهيم صقر، فيقول إن المعلمين جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وقد عاشوا تفاصيل الحرب بكل قسوتها، وفقدوا منازلهم وأصدقاءهم وأفراداً من عائلاتهم، لكنهم ظلوا على رأس عملهم لمواصلة تقديم الخدمة التعليمية للأطفال.
ويصف صقر المعلم بأنه "الركيزة الأساسية" للعملية التعليمية، مؤكداً أن الظروف القاسية لم تمنع المعلمين من أداء واجبهم تجاه الطلاب.
ولا يختلف الحال عند المعلم إبراهيم شيخ العيد الذي يرى أنَّ المعلم في غزة يواجه تحديات كبيرة، بعدما تحولت المدارس إلى خيام تعليمية، والصفوف إلى مساحات شديدة الحرارة صيفاً والبرودة شتاءً.
ويشير إلى أن المقاعد الدراسية تحولت إلى فرشات أرضية، بينما استُبدلت أرضيات المدارس بالرمال، ولم تعد هناك الملاعب والمساحات التي كانت مخصصة للأطفال، مؤكداً أن المعلمين يصرون على إيجاد بدائل، حتى وإن كانت في بعض الأحيان غير آمنة، فقط من أجل استمرار التعليم.
أكثر من 800 معلم شهيد
وتأتي هذه الشهادات في وقت دفع فيه القطاع التعليمي ثمناً باهظاً خلال الحرب؛ إذ أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، في أحدث بياناتها بمناسبة اليوم العالمي للمعلمين، استشهاد أكثر من 800 معلم ومعلمة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وإصابة أكثر من 3300 آخرين، إلى جانب اعتقال أكثر من 170 معلماً ومعلمة.
وتوضح بيانات الوزارة أن حصيلة العاملين في المدارس الذين استشهدوا في قطاع غزة بلغت 802 شهيداً، فيما أصيب 3291 من الكوادر المدرسية، حتى أحدث حصيلة منشورة في 2026.
ولم يقتصر الاستهداف على المعلمين، بل امتد إلى المدارس ذاتها؛ إذ أشارت أحدث معطيات الوزارة إلى أن أكثر من 179 مدرسة حكومية في غزة دُمّرت بشكل كامل، فيما تعرضت أكثر من 105 مدارس تابعة للأونروا للقصف والتخريب.
وفي ظل هذا الدمار، أُطلق العام الدراسي 2026/2027 في قطاع غزة في 19 أيلول/سبتمبر الماضي، عبر مسارات تعليمية متعددة، بينها التعليم الوجاهي في المدارس التي ما زالت قابلة للاستخدام، والمدارس والخيام التعليمية المؤقتة.
وتقول الوزارة إن أكثر من 420 ألف طالب وطالبة يتوجهون إلى نحو 610 مدارس ومراكز تعليمية تابعة لها، إضافة إلى قرابة 100 مدرسة ومركز تعليمي تابع للأونروا.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لا يزال نحو 200 ألف طفل في غزة محرومين من الوصول إلى أي شكل من أشكال التعليم المنظم.
فيما توفر المنظمات الإنسانية التعليم لنحو 495 ألف طفل ضمن فضاءات تعليمية مؤقتة ومدعومة. كما أُعيد تأهيل أو تنظيف 165 غرفة صفية في 14 مدرسة استعداداً لاستئناف الدراسة.
