بينما تبشر تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية بموسم زيتون وفير بإنتاج قد يصل إلى 21 ألف تنكة وزيت، يبقى آلاف المزارعين في قرى الضفة الغربية أمام معادلة صعبة؛ فوفرة المحتملة في الإنتاج من جهة، وأراضٍ وأشجار لا يستطيع أصحابها الوصول إليها من جهة أخرى بفعل الإجراءات الإسرائيلية.
وتوضح تقديرات وزارة الزراعة أن الاستهلاك المحلي السنوي يقدر بنحو 15 إلى 15.5 ألف تنكة، مع توقع تصدير نحو 4 آلاف طن، مشيرة إلى أن الإنتاج المتوقع قد يغطي احتياجات السوق المحلية ويوفر فائضًا للتصدير، مع مراعاة إمكانية وصول الزيت إلى قطاع غزة.
لكن هذه الزيادة المتوقعة لا تعني أن جميع المزارعين سيبلغون أشجارهم؛ إذ يواجه أهالي القرى والبلدات، خصوصًا المحاذية للمستوطنات، قيودًا تحول دون دخولهم مساحات واسعة من أراضيهم، ما يهدد بحرمانهم من موسم الزيتون ومصدر دخلهم الأساسي.
برقا.. حرمان من الزاد والرزق
في قرية برقا شرق رام الله وسط الضفة الغربية، يتجسد الواقع بوضوح؛ فمساحة القرية تبلغ نحو 12 ألف دونم، لكن الأهالي، وفق المزارع والناشط ليث بركات، عجزوا عن الوصول إلا إلى نحو 500 دونم تحيط بالمنازل.
ويفيد بركات لـ "وكالة سند للأنباء" بأن عائلته تمتلك قطعًا زراعية موزعة في شرق وشمال القرية تضم مئات أشجار الزيتون الرومي المعمرة، غير أن الوصول إليها أصبح شبه مستحيل منذ السابع من أكتوبر 2023.
ويشرح قائلاً: "في السنة الأولى تمكنا من الوصول بصعوبة بالغة وتعرضنا لاعتداءات المستوطنين، أما الآن، وفي السنة الرابعة، فلا نستطيع بلوغها نهائيًا".
ويحذر بركات من أن حرمان العائلات من قطف المحصول سيعني أنهم "لن يشموا رائحة الزيت بالمعنى الحرفي".
ويشير إلى أن عائلته كانت تنتج في المواسم الجيدة ما بين 40 و45 تنكة، بينما تنتج عائلات أخرى من 100 إلى 120 تنكة، وعائلات أخرى 10 أو 20 تنكة. لكن هذا العام، اضطرت عائلته لشراء الزيت بدل إنتاجه رغم امتلاكهم مئات الأشجار.
ويؤكد أن شجرة الزيتون تمثل لقرية برقا ركيزة أساسية للاكتفاء الذاتي وبيع الفائض لتوفير الدخل.
جبع.. مجزرة بحق الأشجار
ولا يختلف واقع المزارع بركات عما حل بالمواطن سليم دار مسلم في قرية جبع شمال القدس، حيث أقدمت جرافات الاحتلال على اقتلاع 70 شجرة زيتون مثمرة قبل أيام من بدء موسم القطاف قرب حاجز جبع.
يوضح دار مسلم لـ "وكالة سند للأنباء" أن الأشجار التي يبلغ عمرها نحو 47 عامًا كانت بحالة جيدة وتنتج سنويًا ما يكفي احتياجات الأسرة من الزيت (نحو 30 تنكة) مع بيع الفائض.
ويبين أن حجم الألم كبير عندما يرى المزارع الثمار على الأشجار لحظة اقتلاعها، مشيرًا إلى أن الفقدان لا يقتصر على موسم واحد فحسب، بل يمثل ضياع مصدر إنتاج استمر لعقود، وسيجبر العائلة على شراء احتياجاتها من الزيت قسرًا.
20% من مساحات الزيتون خارج الخدمة
من جانبه، يؤكد مدير عام مجلس الزيتون الفلسطيني، فياض فياض، أن انتهاكات الاحتلال بحق الشجرة المباركة لم تتوقف منذ عام 1967، إلا أن وتيرتها تصاعدت بشكل ملحوظ منذ السابع من أكتوبر 2023، ملحقة خسائر كبرى بالاقتصاد الزراعي.
يوضح فياض في حديث لـ "وكالة سند للأنباء" أن نحو 128 ألف دونم من الأراضي المزروعة بالزيتون عجز أصحابها عن بلوغها خلال مواسم القطاف الثلاثة الماضية بسبب وقوعها خلف الجدار أو قرب المستوطنات التي تتطلب تصاريح دخول.
وأوضح أن هذه المساحة تشكل نحو 20% من إجمالي المساحات المزروعة بالزيتون في فلسطين، ما يعني ضياع 20% من الإنتاج المحتمل.
ويلفت فياض إلى أن الثقل الإنتاجي يتركز في شمال الضفة الغربية بنسبة تصل إلى 85%، متصدرةً إياها محافظة جنين التي ينتج مثلث بلداتها (كفر راعي، يعبد، عرابة) ما يعادل إنتاج محافظات الخليل وبيت لحم والقدس مجتمعة.
وحول حجم الخسائر التراكمية، يشير فياض إلى اقتلاع 250,742 شجرة زيتون معمرة من مطلع عام 2010 حتى نهاية سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، بينما جرى اقتلاع نحو 8,400 شجرة منذ بداية عام 2026 وحتى 15 سبتمبر، إضافة لاقتلاع 610 أشجار خلال الأسبوع الأخير وحده.
ويذكر أن الزيتون يشكل 85% من الأشجار المزروعة في الضفة، ضاربًا المثل ببلدة المغير التي تقلصت مساحات أشجار الزيتون من 25 ألف دونم إلى نحو 945 دونماً فقط بعد اقتلاع 10 آلاف شجرة في يوم واحد العام الماضي.
سلفيت.. حلقة مفرغة من التنكيل
وفي محافظة سلفيت، يوضح الناشط في الإغاثة الزراعية إبراهيم حمد أن الانتهاكات تفاقمت بشكل غير مسبوق بعد الحرب، حيث يُمنع المزارعون من الوصول إلى حقولهم القريبة من المستوطنات والبؤر الرعوية، وتتعدد أشكال الاعتداءات لتشمل الاعتقال، والطرد، والضرب، وسرقة المحاصيل.
ويؤكد حمد لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه الممارسات أدت لفقدان مزارعين أراضيهم بالكامل، بينما بقي آخرون عاجزين عن قطف ثمار أشجارهم المثمرة.
وأشار إلى أن الاعتداءات ومنع الوصول في سلفيت وحدها خلال الفترة الممتدة من منتصف يونيو/ حزيران وحتى نهاية أغسطس/ آب طالت أكثر من 1500 شجرة زيتون.
ويشير إلى أن شجرة الزيتون في سلفيت ليست مجرد مصدر لإنتاج الزيت، بل هي شريان حياة وملاذ دائم للمزارع لتأمين احتياجات أسرته ومساعدة أبنائه.

