منذ أغسطس/آب، يمنع مستوطنون إسرائيليون أهالي قرية أم صفا في الضفة الغربية المحتلة من الوصول إلى المقبرة الوحيدة في القرية، ويقول السكان إن هذا الإجراء يمثل أحدث حلقة في سلسلة تصعيدات ينفذها المستوطنون، بدعم من الجيش الإسرائيلي، في محاولة لطردهم من قريتهم.
وعلى بعد 70 متراً من مقبرة أم صفا، شمال رام الله، يقف مروان صباح حزيناً، ولا يحمل سوى أمنية واحدة تتمثل في وضع شاهدة على قبر والده نمر سبتي عرقوب، الذي توفي في 1 فبراير/شباط 2026.
ويقع بين المقبرة الوحيدة وسكان القرية الطريق الالتفافي للمستوطنين المعروف باسم الطريق 450، وموقع حدودي قريب، إلى جانب مستوطنين يتربصون بأي شخص يحاول الوصول إلى المقبرة.
ولا يريد مروان أن يبقى قبر والده من دون شاهد. فقد درّس والده أجيالاً من الطلاب في أم صفا، ودافع عن أرض القرية، وتمسك بها حتى آخر أنفاسه، فكان يحرثها ويزرعها ويجني ثمار زيتونها. ويريد مروان أن يتذكر الناس والده باعتباره شخصاً له اسم وحياة وتاريخ ذو قيمة.
لكن قضية مروان لا تقتصر على وضع علامة على قبر والده، بل تتصل بقدرة أهالي أم صفا على الوصول إلى المقبرة أصلاً، لدفن موتاهم فيها أو زيارة قبور أحبائهم.
وقال مروان صباح، رئيس مجلس قرية أم صفا، لموقع «موندووايس» الإخباري الدولي: «إذا توفي أحد في القرية، فلا يوجد مكان لدفنه».
وتبلغ مساحة أم صفا نحو 4800 دونم، أي ما يعادل 480 هكتاراً، ويبلغ عدد سكانها نحو 750 نسمة. لكن القرية لا تملك اليوم سوى 100 دونم، أي 10 هكتارات، وهي الأرض التي أقيمت عليها منازل السكان، فيما ابتلعت المستوطنات الإسرائيلية بقية الأراضي.
وينظر صباح إلى المقبرة من بعيد، ثم يصمت للحظة، وقد غلبه الشعور بالعجز عن الوصول إليها. وقال: «سأحاول مرة، مرتين، عشر مرات. لن نتخلى عن المقبرة التي دُفن فيها أجدادنا وأجداد أجدادنا. لن ندفن موتانا في أي مكان آخر سوى هنا. الحقيقة هي أنه ليس لدينا خيار آخر».
وانقطعت أم صفا تماماً عن مقبرتها في أغسطس/آب 2026، بعد أقل من شهرين من آخر مرة تمكن فيها القرويون من الوصول إليها لدفن رائد محمود عرقوب، وهو شاب توفي بمرض السرطان.
ومنذ ذلك الحين، منع المستوطنون السكان من الوصول إلى مقبرتهم الوحيدة، واستولوا على الأراضي المحيطة بها في الجانب الجنوبي من القرية، وهي منطقة تُعرف باسم وادي الزيتون، وتمثل آخر ما تبقى من أراضي أم صفا الزراعية التي لا تزال في أيدي أهلها، قبل أن يقيموا فيها مركزاً استيطانياً جديداً.
مراكز استيطانية على عتبة المنازل
كانت أم صفا محاطة بمستوطنتي عترت شرقاً وحلاميش غرباً، لكن بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أنشأ المستوطنون ست بؤر استيطانية جديدة على أراضي القرية، وأحاطوا بها من جميع الجهات.
وفي الوقت نفسه، أغلق الجيش الإسرائيلي المدخل الرئيسي للقرية ببوابة عسكرية، ومنع المرور عبره طوال السنوات الثلاث الماضية.
ولفهم الحصار الاستيطاني المفروض على أم صفا، صعدت «موندووايس» مع صباح إلى سطح مبنى المجلس القروي الواقع وسط القرية. ومن هناك، يظهر أحد المواقع الاستيطانية الستة، وهو يقترب من المنازل على مسافة لا تزيد على 50 متراً.
وقال صباح: «أصبحت أم صفا معزولة تماماً عن العالم».
وكان الوصول إلى القرية يستغرق نحو 20 دقيقة من رام الله، لكنه يستغرق اليوم أكثر من ساعة، مروراً بالقرى المحيطة، من منطقة روابي إلى دير السودان، ثم عبر وادي عجول إلى قرية عجول، وأخيراً إلى أم صفا.
وقال صباح: «الوضع في أم صفا صعب، وكل ما يفعله المستوطنون يؤكد وجود خطط لتهجير سكانها. المعاناة هنا حقيقية، وتزداد سوءاً يوماً بعد يوم».
وفي الجزء الجنوبي من القرية، أضرم المستوطنون النار في معظم المنازل، فيما يعمل السكان على تحصين منازلهم بالأسوار والجدران العالية، أملاً في منع المستوطنين من دخولها. أما في الجزء الشرقي، فقد انقطع السكان تماماً عن بقية أم صفا منذ إنشاء المستوطنين مركزاً لهم هناك.
هجمات يومية من المستوطنين
على جبل الرأس، شمال القرية، تقف قوافل المستوطنين على بعد يتراوح بين 10 و15 متراً من المدرسة الوحيدة في أم صفا، ومن هذا الموقع يشنون هجماتهم اليومية على المنازل والسكان.
وقال صباح إن جبل الرأس لا يهم أم صفا وحدها، لأنه يطل على القرى الثلاثين شمال غرب رام الله، ومن قمته يمكن رؤية الساحل الفلسطيني.
وأضاف: «يقوم المستوطنون الآن بإنشاء مركز حدودي بين كل مركز وآخر. والهدف ليس فقط التوسع على الأرض، بل ممارسة ضغط مستمر لتهجير القرية بأكملها، التي أصبحت الآن محاصرة بالكامل تقريباً».
واضطر خمسة شبان من القرية، كانوا على وشك الزواج، إلى مغادرة أم صفا واستئجار مساكن بديلة، لعدم وجود أماكن شاغرة للسكن أو البناء فيها.
وقال صباح إن الهدف من الأنشطة الاستيطانية هو إنشاء مجمع سكني كبير يربط بين عترت شرقاً وحلاميش غرباً، مشيراً إلى طرح خطة لإنشاء 3000 وحدة سكنية بين قريتي جيبية وأم صفا، تمهيداً لبدء تنفيذ المشروع.
ورغم ذلك، لا يزال صباح متمسكاً بموقفه، وقال: «أم صفا ملك لأهلها، ولن نرحل عنها مهما كانت خططهم. نحن متمسكون بأرضنا ولن نتخلى عنها. هذه هي ثقافتنا التي تربينا عليها: ثقافة الصمود لا الاستسلام».
عاد من الولايات المتحدة للدفاع عن قريته
كان خالد علان قرعان يملك مزرعة مساحتها نحو سبعة دونمات ونصف، أي نحو ربع هكتار، تضم منزلاً وأشجار فاكهة متنوعة. وأنفق قرعان نحو 250 ألف دولار لتطويرها.
وفي يونيو/حزيران 2024، اقتحم مستوطنون المزرعة بآليات ثقيلة، وهدموا المنزل والجدران المحيطة به، واقتلعوا جميع الأشجار.
ويحمل قرعان الجنسية الأمريكية، لكنها لم تحمه من المستوطنين. وقال لموقع «موندووايس»: «تواصلت مع السفارة الأمريكية منذ اليوم الأول، لكنها لم تفعل شيئاً. أحمّلها المسؤولية الكاملة عن خسارتي الفادحة، وأحمّلها مسؤولية هذه المعاملة العنصرية لي كمواطن فلسطيني، بينما يتمتع مواطن صهيوني أمريكي بكافة حقوقه».
ورغم كل شيء، يقضي قرعان ساعات طويلة في التخطيط لإعادة بناء مزرعته، مؤكداً أنه لم يفقد الأمل ولم يستسلم.
وقال: «مهما طال الزمن، ستعود أرضي إليّ. هذه وصيتي لأبنائي: أن يواصلوا مسيرتي ويستعيدوا أرضنا. أنا ابن فلسطين، أتنفس هذه الأرض، ولن أغادرها أبداً».
سرقة الماشية
في منزل قديم قرب مدخل أم صفا، وعلى بعد نحو 50 متراً من إحدى البؤر الاستيطانية، تجلس آمنة عرقوب، البالغة من العمر 70 عاماً، لحراسة منزلها، وهي تتوقع هجوم المستوطنين في أي لحظة.
وقبل نحو شهر، داهم مستوطنون منزلها وسرقوا أربعة من أغنامها.
وآمنة أم لأربعة أطفال من ذوي الإعاقة الذهنية، وقد توفي أحدهم قبل بضعة أشهر. وقالت لموقع «موندووايس»: «جاء مستوطنان، ودخلا الحظيرة، وأخذا أربعة خراف وسرقاها. وعندما حاول أهل القرية استعادتها، وصل جنود إسرائيليون لحماية المستوطنين ومنعوا القرويين من الاقتراب».
وقالت إن أحد الجنود خيرها بين التخلي عن الأغنام الأربع أو مصادرة قطيعها بالكامل، وأضافت: «اضطررت للتراجع خوفاً من أن يأخذوا القطيع كله، فهو مصدر رزقنا الوحيد».
ورغم الخطر المحيط بها وبأطفالها، ترفض آمنة مغادرة منزلها أو قرية أم صفا، وقالت: «من المستحيل علينا مغادرة أم صفا. سنبقى في منازلنا طوال حياتنا، حتى نموت».
غياب أي دعم إغاثي خارجي
رغم ما تعانيه أم صفا يومياً، ورغم صمود سكانها في وجه الحصار الذي دخل عامه الثالث، لم يتدخل أحد لمساعدتهم، لا السلطة الفلسطينية ولا المنظمات الإنسانية، وفق ما ورد في تقرير «موندووايس».
وتُركت القرية وحيدة في مواجهة هجمات المستوطنين ومحاولات تهجير سكانها يوماً بعد يوم.
وقال صباح إن أم صفا تحتاج إلى روضة أطفال، ومشروع للطاقة الشمسية، وطرق معبدة، ومزيد من الفصول الدراسية في المدرسة، ومركز طوارئ، وفريق للدفاع المدني، مشيراً إلى معاناة السكان من مشكلات في شبكات الكهرباء والمياه.
وأضاف أن هيئة المياه غيّرت خطوط المياه بطريقة لا تدعم صمود السكان في القرية وتؤخر وصول المياه إليهم، رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها.
واليوم، ومع تشديد المستوطنين حصارهم على أم صفا ومنع أطفالها من إطلاق الطائرات الورقية، لا يطلب السكان سوى أبسط الاحتياجات الأساسية التي تمكنهم من البقاء.
وقال صباح: «ما نقوم به بمفردنا لا يكفي. نطالب بتدخل سريع وعاجل، وبأن تفي السلطة الفلسطينية بوعودها لنا. وإلا، سنواجه مشروع تهجير جماعي، وهذا الخطر يتزايد يوماً بعد يوم».
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع موندووايس أضغط هنا
