تتجدد المخاوف على حياة الأسير الفلسطيني المسن رزق عبد الله مسلم الرجوب (68 عامًا)، من بلدة دورا جنوب الخليل، مع تدهور وضعه الصحي داخل العزل الانفرادي في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وحرمانه من الرعاية الطبية المتخصصة، في مشهد يُجدد تسليط الضوء على أوضاع الأسرى الفلسطينيين وما يتعرضون له من إهمال طبي وظروف احتجاز قاسية.
ويعاني "الرجوب"، المعتقل إداريًا منذ 12 حزيران/يونيو 2023 والمحتجز في عزل سجن "جانوت"، انسدادًا كاملًا في الأذن اليمنى، وتشنجات مؤلمة في الجانب الأيمن من الوجه، وتشوشًا حادًا في السمع بالأذن اليسرى، إلى جانب صداع مستمر، وفق ما أورده مكتب إعلام الأسرى.
وأوضح "إعلام الأسرى" أن مسعفًا فحص الرجوب قبل نحو أسبوع، وأكد حاجته إلى طبيب مختص، لكن عرضه على الطبيب لم يتم حتى الآن، بحسب المعطيات المتاحة، محذرًا من خطورة استمرار حرمانه من الرعاية اللازمة في ظل تدهور حالته الصحية وتقدمه في السن.
ولا تتوقف معاناة الأسير عند الإهمال الطبي، إذ يواجه نقصًا في الملابس وتدنيًا في جودة الطعام، ويضطر إلى ارتداء البنطال نفسه منذ نحو 90 يومًا، وفق المكتب، الذي أشار كذلك إلى تعرض الأسرى للإهانة والتنكيل خلال نقلهم إلى العيادات أو لقاءاتهم بالمحامين.
وتزداد المخاوف بشأن وضع "الرجوب" بالنظر إلى تاريخه الاعتقالي الطويل؛ إذ أمضى نحو 31 عامًا في سجون الاحتلال موزعة على 13 اعتقالًا، بينها فترة استمرت ثماني سنوات متواصلة.
وأشار محاميه عقب زيارته في آب/أغسطس 2025، إلى تراجع حاد في قدراته الذهنية والجسدية، موضحًا أنه لم يتمكن من التعرف إليه أو تذكر أسماء زوجته وأفراد عائلته، إلى جانب ظهور آثار إصابة في رأسه وتورم في عينه وهزال في جسده.
كما يعاني الرجوب مرض البهاق ومشكلات في المعدة، وسبق أن خضع لعملية استئصال المرارة قبل اعتقاله الأخير بفترة وجيزة.
وتتضاعف معاناة عائلته مع استمرار اعتقال نجليه إداريًا؛ إذ يقبع أحمد (35 عامًا)، وهو أب لأربعة أطفال، في سجن "ريمون" منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023، فيما يُحتجز محمد (19 عامًا) في سجن "عوفر" منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، وفق المعلومات الواردة عن العائلة.
49 % من الأسرى دون محاكمة
وتأتي حالة "الرجوب" في سياق أوسع من الانتهاكات التي توثقها مؤسسات الأسرى الفلسطينية داخل سجون الاحتلال، حيث أظهر تقرير صدر في 6 تشرين الأول/أكتوبر الجاري أن نحو 9,300 أسير ومعتقل فلسطيني يقبعون في السجون، بينهم 3,101 معتقل إداري، و350 طفلًا، و91 أسيرة.
وبحسب التقرير، فإن نحو 49% من الأسرى والمعتقلين محتجزون دون تهمة أو محاكمة، عند احتساب المعتقلين الإداريين والمحتجزين المصنفين بموجب قانون "المقاتلين غير الشرعيين"، وهو ما يثير مخاوف حقوقية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة والحماية من الاحتجاز التعسفي.
ووثّقت مؤسسات الأسرى نحو 26 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية والقدس منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينها أكثر من 800 امرأة وألفي طفل، في حين لا تزال آلاف الاعتقالات في قطاع غزة غير موثقة بصورة كاملة.
ولا تعكس هذه الأرقام حجم الاعتقالات وحده، بل تكشف اتساع نطاق الاحتجاز وتعدد الفئات المستهدفة، في ظل استمرار الاعتقال الإداري الذي يسمح باحتجاز الفلسطينيين وتجديد اعتقالهم دون توجيه تهمة معلنة أو إجراء محاكمة.
92 شهيدًا داخل السجون خلال ثلاث سنوات
وفي مؤشر على خطورة الأوضاع داخل السجون ومراكز الاحتجاز، أعلنت مؤسسات الأسرى الفلسطينية، في السادس من تشرين الأول/أكتوبر، استشهاد 92 أسيرًا ومعتقلًا معروفًا بالاسم خلال السنوات الثلاث الماضية.
وأشارت إلى أن مصير عشرات المعتقلين الذين يُعتقد أنهم استشهدوا من قطاع غزة لا يزال محاطًا بالغموض في ظل الإخفاء القسري.
وأوضحت المؤسسات أن هؤلاء يمثلون نحو 28% من إجمالي شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967، وفق الحصيلة التي أعلنتها، ما يعكس حجم الخسائر البشرية التي سُجلت خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وتتزامن هذه الحصيلة مع تقارير حقوقية متكررة عن تدهور الظروف المعيشية والصحية للأسرى، وانتشار الأمراض، ونقص الرعاية الطبية، إلى جانب الاعتداءات الجسدية والتضييق على الزيارات والاحتياجات الأساسية.
وفي هذا السياق، أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، في تقرير سابق نشرته وكالة "سند للأنباء" في 11 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بتدهور الأوضاع الصحية لثلاثة أسرى في سجن "جانوت"، وسط ظروف احتجاز قاسية وانتشار الأمراض ونقص الرعاية الصحية.
ومن بين الحالات التي تناولها التقرير الأسير هايل ضيف الله (60 عامًا)، الذي يعاني أوجاعًا وتكسرًا في الأسنان عقب تعرضه للاعتداء بعد اعتقاله، إلى جانب إصابته بالجرب وعدم توفير العلاج اللازم له، بحسب الهيئة.
كما رصد التقرير مشكلات صحية ومعيشية لدى الأسيرين الشقيقين عدي وعمّار جمال عناب من طولكرم.
وتعزز هذه الوقائع المخاوف بشأن أوضاع المرضى وكبار السن داخل السجون، ولا سيما في ظل صعوبة الحصول على العلاج والمتابعة الطبية اللازمة، وما قد يترتب على تأخير التشخيص والتدخل الطبي من مضاعفات صحية خطيرة.
انتهاكات تطال الحق في الحياة
ويُعد العزل الانفرادي من أبرز القضايا الحقوقية المرتبطة بأوضاع الأسرى، لما يفرضه من قيود على التواصل الإنساني والاجتماعي، فضلًا عن المخاطر التي قد تنجم عن استمرار احتجاز الأسرى المرضى أو كبار السن في ظروف لا تلبي احتياجاتهم الصحية.
وتنص اتفاقية جنيف الرابعة على التزامات تتعلق بمعاملة الأشخاص المحميين وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم، فيما تؤكد المعايير الدولية لمعاملة السجناء ضرورة احترام كرامتهم الإنسانية وتأمين الخدمات الصحية التي تتناسب مع احتياجاتهم، دون تمييز.
وفي حالة الرجوب، تتداخل عدة عوامل تزيد المخاوف على حياته، من بينها تقدمه في السن، وتاريخه الصحي، والأعراض الجديدة التي يعانيها، إلى جانب استمرار عزله ونقص مستلزماته الأساسية، وفق المعطيات التي أوردها مكتب إعلام الأسرى.
وتبرز خطورة هذه الحالة في أن الحاجة إلى الرعاية الطبية ليست مسألة مؤجلة، بل تستدعي تقييمًا متخصصًا للأعراض التي يعانيها الأسير، وتحديد أسبابها وتوفير العلاج المناسب وفق حالته الصحية.
وطالب مكتب إعلام الأسرى بالتدخل العاجل لإنقاذ حياة "الرجوب"، وعرضه على طبيب مختص وتوفير العلاج اللازم، إلى جانب إنهاء عزله الانفرادي وتأمين احتياجاته الإنسانية الأساسية.
وبينما تتواصل المطالبات الحقوقية بتحسين ظروف احتجاز الأسرى وضمان حصولهم على العلاج، تظل حالة "الرجوب" كما حال باقي الأسرى، اختبارًا جديدًا لمدى الالتزام بالضمانات القانونية والإنسانية المكفولة للمحتجزين، وسط تحذيرات من أن استمرار الإهمال الطبي قد يعرّض حياته لمخاطر متزايدة.
