مع بدء موسم قطف الزيتون في بلدة بتير غرب بيت لحم، يجد المزارعون أنفسهم أمام واقع مزدوج؛ احتفاء وطني بالموسم الذي يُعدّ رمزاً للارتباط بالأرض، وحصار ميداني يحرمهم من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم.
وبينما التفّ المزارع محمد حسين بطحة وعائلته حول الأشجار التي استطاعوا الوصول إليها، فإن خمسين دونماً من أراضيه تقع في الجهة الأخرى من البلدة تحت سيطرة الاحتلال لا يستطيعون الوصول إليها أو قطف ثمارها.
ويتحدث "بطحة" لـ"وكالة سند للأنباء" عن أشجار اعتنى بها "بأنامله التي تآكلت" للحفاظ عليها، فيصف حال أشجاره بالقول: "وضعها محزن وأنا أبكي عليها إذ لا أستطيع الوصول إليها أو الاعتناء بها".
ويشير في هذا السياق إلى تعرض أشجار الزيتون للسرقة والاعتداء من قبل مستوطنين تحت حماية جنود الاحتلال.
موسم "متوسط إلى ضعيف" ووصول مقيّد
ويصف المزارع محمد فارس من بتير، الموسم الحالي بأنه "متوسط إلى ضعيف"، ويحدد طبيعة المشكلة بقوله إنها تمكن في المستوطنين والبؤر الاستيطانية.
ويبين فارس لـ"وكالة سند للأنباء" أن المناطق التي يسيطر عليها المستوطنون تتميز بكثافة في أشجار الزيتون، ويعتمدون عليها بشكل رئيسي، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها.
ويضيف أن "من يحاول الاقتراب منها يتعرض للضرب والاعتقال والغرامات المالية".
لم يتمكن فارس وعائلته من الوصول سوى إلى عدد محدود من الأشجار، ومعها تكون الغلّة قليلة وغير ذات جدوى اقتصادية، غير أن الحساب الاقتصادي، بحسب فارس، لا يمثل سوى جانب واحد من المعادلة.
ويقول: "صحيح أن ما نقطفه غير مُجدٍ ماديا، لكن وجودنا في هذه الأرض يعني لنا الكثير، فالأرض تعادل حياتنا، وترخص من أجلها الدماء، ونحن لدينا استعداد لنقدم لها التضحيات بلا حدود".
ويعكس هذا التوصيف تحويل الموسم من مناسبة اقتصادية إلى فعل تمسك بالأرض في مواجهة ضغوط الاحتلال والمستوطنين.
فعاليات تعاونية
يعيش المزارع الفلسطيني هذه الأيام، في سباق مع الزمن للوصول إلى أرضه وقطف ثمار زيتونه قبل المستوطنين، وهو ما يسلط الضوء على أهمية الفعاليات التعاونية لمساعدة الفلاح في تسريع عملية القطف من ناحية، ومن الناحية الأخرى تشجيعه على الوصول إلى أرضه وعدم تركها فريسة للمستوطنين.
وفي هذا الإطار، نظّمت وزارة الزراعة في بيت لحم فعالية وطنية لقطف ثمار الزيتون في بلدة بتير، الواقعة ضمن نطاق الريف الغربي للمحافظة.
ويوضح عبد الوهاب حلايقة، مدير عام وزارة الزراعة في بيت لحم، أن الفعالية المركزية التي تحمل عنوان "زيتون 2026" وتقودها الوزارة مع عدد من المؤسسات الشريكة، تأتي ضمن جهود وطنية تقودها بها الوزارة لدعم وتعزيز صمود المزارعين في البلدة وأنحاء المحافظة، والوقوف إلى جانبهم في ظل الهجمة الشرسة التي تقوم بها عصابات المستوطنين وقوات الاحتلال على المزارعين وعلى شجرة الزيتون.
وفي حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، يقرأ حلايقة الاستهداف من زاوية رمزية أوسع، إذ يرى أن "استهداف شجرة الزيتون هو استهداف للأرض بما تمثله هذه الشجرة من موروث ثقافي وانتماء للأرض الفلسطينية".
ويقدّم في هذا السياق رقماً محورياً، مبينا أن الاحتلال اقتلع نحو 1775 شجرة زيتون في بيت لحم منذ بداية العام، بخسارة مالية تجاوزت 715 ألف يورو.
300 اعتداء و"بيئة طاردة"
من جهته، يصف عبد الله أبو رحمة من هيئة الجدار والاستيطان، الموسم بأنه "ممزوج بالدم من خلال الاعتداءات التي لم يسبق لها مثيل في حجمها".
ويشير أبو رحمة لـ"وكالة سند للأنباء"، إلى أن المستوطنين نفذوا حوالي 300 اعتداء بحق المزارعين وقاطفي الزيتون في الصفة المحتلة منذ بدء موسم الزيتون.
ويحدد أبو رحمة هدف هذه الاعتداءات بالقول إنها تهدف إلى "خلق بيئة طاردة للفلسطينيين لإجبارهم على الرحيل".
ويوضح أن المستوطنين يسبقون المزارعين إلى شجرة الزيتون، ويمنعونهم من القطف، ويعتدون عليهم.
ويضيف أن هناك "عمليات إجرامية موثقة بالاعتداء على المزارعين والصحفيين والمتضامنين الأجانب والقناصل والدبلوماسيين"، معتبراً أن الرسالة المقصودة هي أن "المزارع الفلسطيني وكل من يتضامن معه عرضة للاعتداء".
ويذهب أبو رحمة إلى توصيف أوسع للظاهرة، فيصفها بأنها "سياسة ممنهجة مدعومة بالكامل من الحكومة الإسرائيلية وبغطاء من جيش وشرطة الاحتلال الذين لا يحاسبون المستوطنين ولا يوقفون هذه الاعتداءات بحق المزارعين".
موسم الزيتون بين الرمزية والأرقام
وتتشابك في المشهد الذي ترسمه هذه المعطيات طبقتان؛ الأولى رمزية تتعلق بمكانة شجرة الزيتون كموروث ثقافي واقتصادي، والثانية مادية تتجسد في أرقام الاقتلاع والخسائر والاعتداءات.
وبينما تتحدث وزارة الزراعة عن فعالية وطنية لدعم الصمود، تصف هيئة الجدار والاستيطان موسماً "ممزوجاً بالدم"، فيما يصف مزارعون موسمهم بأنه غير مجدٍ اقتصادياً لكنه ضروري كفعل وجودي.
ويبقى السؤال المطروح في ضوء هذه المعطيات يتعلق بمستقبل الوصول إلى الأراضي الواقعة خلف القيود، وما إذا كانت الأرقام المعلنة عن الاقتلاع والاعتداءات ستواصل الارتفاع خلال ما تبقى من الموسم.
وما تقدمه المعطيات حتى الآن يشير إلى أن موسم الزيتون في بتير لم يعد حدثاً زراعياً فحسب، بل ساحة تتقاطع فيها السياسة والأرض والاقتصاد والرمز.
