تتضاعف فصول المأساة الإنسانية في قطاع غزة لتلقي بأثقالها المفزعة على كاهل الأمهات والأرامل اللواتي وجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة جحيم الحرب، الفقد، وشبح المجاعة المطبق.
ومن وسط الدمار والنزوح المتكرر، تجسد الأرملة صابرين كحيل واقعاً قاهراً تعيشه آلاف العائلات التي فقدت معيلها، باتت فيها أمهات غزة يحملن أمانة إعالة عشرات الأطفال الأيتام بلا أدنى مقومات للحياة.
رحلة الفقد والمسؤولية والمأساة
تروي صابرين لـ "وكالة سند للأنباء" تفاصيل معاناتها قائلة إنها كانت تسكن في حي الزيتون بمدينة غزة، ومع اندلاع الحرب وتوالد فصول النزوح القسري من منطقة إلى أخرى، فقدت زوجها الذي استشهد في مخيم النصيرات وسط القطاع.
وتجد "كحيل" نفسها اليوم أماً لسبعة أطفال أيتام صغار، وهي المعيل الوحيد لهم بعد الله سبحانه وتعالى، في ظل انعدام أي مساعدات أو كفالات إنسانية تدعم صمود العائلة.
وتشير بمرارة إلى الانقطاع التام لدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل قاطع، مبينة أن الرسائل والمساعدات التي كان يقدمها برنامج الأغذية العالمي (WFP) توقفت تماماً، وغابت عنها وعن أطفالها أي مؤسسة إغاثية تقدم العون.
وتختتم صابرين بمناشدتها للعالم باسم الإنسانية، متسائلة عن سبل النجاة والاستمرار قائلة: "نحن لا نطلب شيئاً منكم، سوى توفير أبسط مقومات الحياة التي تمكننا من الاستمرار والبقاء على قيد الحياة!".
وتأتي صرخة "كحيل" في ظل التحذير في ظل استمرار أزمة الأمن الغذائي في غزة؛ إذ حذّر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في تحليل صدر في 23 يوليو/ تموز 2026، من أن نحو 1.4 مليون فلسطيني سيواجهون مستويات الأزمة الغذائية أو ما هو أسوأ حتى نهاية العام، بينهم نحو 212 ألفًا في مرحلة الطوارئ.
وفي 19 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته الغذائية في القطاع بسبب نقص التمويل، بما سيحرم نحو 500 ألف شخص من المساعدات الشهرية، ويخفض عدد المستفيدين من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص.
واقع الأرامل والنساء المعيلات في الإبادة
وتُظهر التقارير الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة خلّفت أزمة إنسانية غير مسبوقة طالت آلاف النساء الاتي اضطررن للعيش في ظروف قاهرة.
وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 60,000 أرملة أُجبرن على تحمل مسؤولية إعالة أسرهن بمفردهن وسط ظروف قاسية وانعدام شبه تام لمصادر الدخل.
وتؤكد البيانات أن أكثر من 19,000 امرأة أصبحن في عداد الأمهات والمعيلات الوحيدات لعائلاتهن نتيجة استشهاد أزواجهن منذ بدء التصعيد، مما يترك مئات الآلاف من الأطفال الأيتام بلا معيل أو سند.
وتواجه هذه الشريحة الواسعة من النساء مستويات بالغة الخطورة من انعدام الأمن الغذائي والفقر المدقع، حيث تعيش الغالبية العظمى منهن في خيام النزوح ومراكز الإيواء المفتوحة فاقدات لأبسط مقومات الحياة الأساسية والرعاية الصحية والنفسية.
ربع نساء غزة مُعيلات لأسرهنّ
ولم تعد قصة الإعالة هنا مجرد أرقام تُحصى في تقارير دولية تتحدث عن نحو 86,290 أسرة في القطاع ترأسها نساء؛ أي ما يمثل ربع عائلات القطاع (واحدة من كل أربع أسر)، بعدما تضاعفت نسبتها مقارنة بما قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وفي إحاطة للصحفيين بجنيف في سبتمبر/ أيلول الجاري، أكدت رئيسة قسم العمل الإنساني في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، صوفيا كالتورب، أن الهيئة رصدت "كمًا مروعًا من الألم الجماعي" عند التحدث مع نساء غزة، موضحات أنهن "تواجهن مرارة فقدان الزوج والأب لأطفالهن، وفي الوقت نفسه، تتحملن المسؤولية الكاملة عن إدارة شؤون المنزل وحماية أسرهن وتوفير احتياجاتها، وسط ظروف بالغة الصعوبة وتزداد سوءًا".
وتؤكد لغة الأرقام الأممية أن العائلات التي تعيلها نساء بغزة (والتي تمثل الربع) تعاني مصاعب أكبر مقارنة بتلك التي تعيلها رجال؛ إذ تفتقر 7 من كل 10 أسر تعيلها نساء إلى المأوى المناسب، وأبلغت ثلاثة أرباعها عن أضرار لحقت بمساكنها، فضلًا عن اضطرارها للنزوح بمعدل ثماني مرات منذ بدء الحرب.
