الساعة 00:00 م
الإثنين 26 أكتوبر 2026
28° القدس
27° رام الله
27° الخليل
27° غزة
4.15 جنيه إسترليني
4.38 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.48 يورو
3.11 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

ألفٌ منهم بغزة.. رفضٌ فلسطينيٌّ لخطة "أونروا" بتقليص 13% من كادرها الوظيفي

العدوان على الخليل.. تهجير المئات وتحذيرات من "تطهير عرقي"

تراجع المساعدات وتحكم بالسلع.. الأمن الغذائي في غزة على المحك

بالفيديو بلا مأوى ولا أمتعة.. كيف حوّل الاحتلال منازل الخليل إلى ساحات إخلاء وترويع؟

حجم الخط
نزوح الخليل
الخليل - وكالة سند للأنباء

لم تكن الساعة الثالثة فجرًا مجرد توقيت عاديّ في منطقتَي "عين بحة" و"الجلدة" بمدينة الخليل، بل كانت الفاصل الزمني بين استقرار دافئ في المنازل، وشتات قسري باغت نحو 2650 مواطنًا نصفهم تقريبًا من الأطفال.

إذ استيقظ الأهالي على مكبرات صوت جيش الاحتلال الإسرائيلي وهي تنتزعهم من أسرّتهم ومضاجعهم، مفسحة المجال لليلة طويلة من الخوف والنزوح الشاق، دون إتاحة الفرصة لحمل متطلبات الحياة الأساسية أو معرفة موعد للعودة.

في تلك الساعات المظلمة، اقتُطع هدوء منطقة "عين بحة" بأوامر إخلائية عاجلة عبر مكبرات الصوت؛ حيث وجد الشاب حمزة شبانة نفسه مكرهًا على مغادرة شقته السكنية بصحبة زوجته وطفلته التي لم تتجاوز العام والنصف.

ويروي شبانة لـ "وكالة سند للأنباء" تفاصيل تلك اللحظات العصيبة قائلاً إن ساعات الفجر الأولى تحولت إلى كابوس يلفه القلق والارتباك، بعدما بُوغِت السكان بطلب الإخلاء الفوري للعمارة دون تحديد أي فترة زمنية للإجراء أو موعد للعودة.

وأوضح أن البناية تقطنها زهاء 12 عائلة قوامها نحو 70 شقيقًا وجارًا، خرجوا جميعًا تحت وطأة ذعر شديد خيّم على الأطفال والنساء، لافتًا إلى أن قوات الاحتلال أخضعت مركبات الأهالي لتفتيش دقيق أثناء مغادرتهم.

واستذكر شبانة مشهد الجنود وهو يترك أثرًا نفسيًا عميقًا في نفوس الصغار، قبل أن يضطر للجوء بعائلته الصغيرة إلى منزل ذويه في "جبل الرحمة"، بينما تشتت باقي قاطني البناية بين منازل أقربائهم لتأمين مأوى مؤقت يُداري عراء النزوح.

أسرٌ تفرقت.. ونساء تحت التهديد

على بعد مسافة قصيرة، لم تكن عائلة المواطن رباح مجاهد أفضل حالاً؛ إذ لم يكن متواجدًا بمدينة الخليل لحظة اقتحام المنطقة، لتواجه زوجته بمفردها مرارة التهديد وتقتاد أطفالها الأربعة إلى الخارج تحت ضغط الإخلاء القسري، حافية الخطوات ودون أن تتمكن من جمع مقتنياتهم أو الاحتياجات الأساسية لصغارها.

توزع أطفال مجاهد وزوجته نحو بيت جدهم في منطقة "فرش الهوى"، بينما يمتد الحرمان ليشمل والده ووالدته وأشقاءه الـ 15، وغالبيتهم من الأطفال، الذين أُكرهوا بدورهم على إخلاء منازلهم في منطقة "الجلدة" والنزوح صوب منطقة "وادي الكرم" قرب عقبة تفوح.

ويقول مجاهد لـ "وكالة سند للأنباء" إن المعاناة لا تتوقف عند حدود ترك البيت، بل تكمن في انعدام الاستقرار والاضطرار للاتكال على الأقارب في تأمين المأوى، مؤكدًا أن البيوت المستضيفة لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا، وأن الضبابية التي تغلف موعد العودة تضاعف من وطأة القلق والعبء الإنساني على الجميع.

تشتت عائلي ووجع كبار السن

وفي شهادة أخرى، يروي المواطن فهد أحمرو تفاصيل الليلة القاسية التي عاشتها عائلته في منطقة "الجلدة" وحي "خلة المغاربة"، مشيرًا إلى أن أفراد أسرته استيقظوا بعد منتصف الليل على وقع أصوات قوات الاحتلال والدوريات العسكرية وهي تطالب بإخلاء المنازل فورًا وسط بكاء الأطفال وذعر النساء.

ويوضح أحمرو لـ "وكالة سند للأنباء" أن والده تماسك ورفض في البداية مغادرة المنزل، قبل أن تضطر العائلة أمام التهديد المفاجئ لإخراج النساء والأطفال، وفي مقدمتهم والدته المسنّة التي تناهز التسعين عامًا وتكابد أمراضًا في القلب.

ويضيف: "لم نكن نود ترك منازلنا، لكننا فوجئنا لاحقًا بأنباء اقتحامها وتكسير الأبواب وتفجيرها"، مبيّنًا أن عائلته الممتدة المكونة من نحو 30 فردًا – من أبنائه وأحفاده وشقيقه وأسرته – أُكرهت على التوزع بين أربعة أماكن لدى الأقارب في ظروف معيشية ونفسية معقدة.

ويؤكد أن غياب الاستقرار وتفرق العائلة يضاعفان المعاناة الإنسانية، لافتًا إلى أنه رغم التكافل الاجتماعي المشهود لمدينة الخليل في احتضان النازحين، إلا أن هذا الإخلاء القسري ألْقَى بأعباء مالية ونفسية ثقيلة على العائلات المستضيفة والمنكوبة على حد سواء، لا سيما مع تعذر مواصلة المواطنين لأعمالهم وغياب أي أفق زمني للعودة.

سيناريو الترحيل يتكرر

من جانبه، يسلط نائب رئيس بلدية الخليل، خالد القواسمة، الضوء على الخطورة الميدانية لهذه الإجراءات، موضحًا أن قوات الاحتلال داهمت منطقة "عين بحة" فجر السبت الماضي، وأجبرت القاطنين على المغادرة خلال مهل زمنية حرجة لم تتجاوز نصف الساعة، قبل أن تأمرهم بالمسير راجلين وتمنعهم من استخدام مركباتهم.

ويؤكد القواسمة في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن الاحتلال يواصل منع الأهالي من العودة حتى اللحظة، دون تقديم أي إيضاحات حول السقف الزمني للعملية العسكرية.

ويحذر القواسمة من أن ما يجري يمثل عملية ترحيل قسري تُنافي القواعد الإنسانية والقوانين الدولية، مشيراً إلى أن السيناريو المنفذ في الخليل يعيد إلى الأذهان عمليات التهجير والإخلاء التي شهدتها مخيمات جنين وطولكرم.

ويشدد أن المواطنين لم يرتكبوا أي ذنب يبرر حرمانهم من حقهم الطبيعي في العيش بأمان، مطالبًا بضرورة التدخل العاجل لضمان عودة العائلات إلى مساكنها وإنهاء نهج الترويج.

وحسب بيانات حديثة صادرة عن لجنة الإسناد والإغاثة في محافظة الخليل حتى ظهر أمس الأحد، كشفت الأرقام عن اتساع رقعة الأزمة الإنسانية لتطال 407 عائلات يُقارب مجموع أفرادها 2649 مواطنًا، من بينهم 1292 امرأة و218 مسنًا ومسنة.

وتُفصّل الإحصائية الرسمية طبيعة الفئات المتضررة، مشيرة إلى وجود 1109 أطفال دون سن الثامنة عشرة، من بينهم 180 طفلاً لم يتجاوزوا عامهم الثاني، إضافة إلى 115 امرأة حاملاً أو مرضعة، و162 مريضًا بأمراض مزمنة، إلى جانب 28 شخصًا من ذوي الإعاقة، ما يسلط الضوء على احتياجات إنسانية متزايدة للفئات الأكثر هشاشة.

وعن الواقع السكني الراهن لتلك العائلات، تُظهر البيانات توزيعًا يفتقر إلى الأمان؛ حيث تقيم 198 عائلة في منازل الأقارب والأصدقاء، فيما اضطرت 19 عائلة لاستئجار منازل مؤقتة، في حين تواجه 168 عائلة مخاطر الإقامة في أماكن تصنف بـ "غير الآمنة"، وتتوزع 22 عائلة أخرى في مواقع مختلفة.

وتعكس هذه المعطيات الرقمية حجم الحاجة الماسّة لتوفير الرعاية الصحية والدعم الإغاثي والسكن الآمن، خصوصًا للأطفال والرضع وذوي الاحتياجات الخاصة، في ظل حالة من الترقب الثقيل بانتظار عودة ملغومة بالأسئلة إلى بيوتٍ تُركت على عجل.