تواصل الأزمة الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة إلقاء بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، في ظل فجوة واسعة بين الكميات الشحيحة للمساعدات والبضائع الواردة والاحتياج الفعلي للسكان.
وعلى الرغم من مؤشرات الانفراجة الجزئية المتمثلة في استئناف إدخال كميات من الطحين التجاري، تشير التقديرات الرسمية إلى أن الأسواق لا تزال تعيش حالة من العجز الهيكلي وغياب المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية.
أقل من 25% من الاحتياج الفعلي
وفي هذا السياق، أكد مستشار مدير المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، تيسير محيسن، أن الانفراجة النسبية التي شهدها دخول الشاحنات والبضائع لم تُحدث حتى اللحظة أي نقلة نوعية في الواقع المعيشي والإنساني، مشدداً على أن الكميات الواردة لا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات اليومية المتزايدة للسكان.
وأوضح محيسن، في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، أن عدد الشاحنات التي دخلت القطاع حتى اللحظة لا يتجاوز 130 شاحنة يوميًا (ما بين مساعدات إنسانية وبضائع تجارية)، في حين يحتاج القطاع إلى نحو 600 شاحنة يوميًا كحد أدنى لتلبية احتياجات السكان؛ ما يعني أن الكميات الواردة تمثل أقل من 25% من الاحتياج الفعلي.
وأشار إلى أن هذه الأرقام تعكس استمرار الفجوة الواسعة بين حجم الاحتياجات والكميات المتاحة، مؤكداً أن الأسواق لا تزال تعاني نقصًا حادًا في السلع الأساسية، فيما يواجه المواطنون صعوبات كبيرة في الحصول على المستلزمات اليومية، في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية.
وشدد محيسن أن استمرار دخول الشاحنات بالمعدلات الحالية لن يكون كافيًا لإنهاء الأزمة، بل سيُبقي حالة العجز قائمة، ما لم تحدث زيادة كبيرة ومستدامة في كميات المساعدات والبضائع التجارية الواردة إلى غزة.
تحكم في نوعية السلع وغياب للمخزون الاستراتيجي
وأوضح أن المشكلة لا تقتصر على أعداد الشاحنات، بل تمتد إلى طبيعة البضائع التي يُسمح بإدخالها، مشيرًا إلى أن الاحتلال يتحكم بنوعية السلع الواردة، ويفرض قيودًا مشددة على إدخال أصناف أساسية كالخضراوات والفواكه واللحوم والدواجن وغيرها من المواد الغذائية الضرورية.
ولفت محيسن إلى أن جزءًا كبيرًا من الشحنات الواردة يحتوي على أصناف ثانوية لا تمثل الأولوية في احتياجات المواطنين، الأمر الذي يحدّ من أثر إدخال البضائع على معالجة النقص القائم في الأسواق وتحسين الواقع المعيشي.
وحذر من خطورة غياب أي مخزون استراتيجي من المواد الأساسية في القطاع، موضحًا أن الأسواق والمخابز باتت تعتمد بصورة شبه كاملة على الإمدادات اليومية، في ظل الاستهلاك المتواصل وعدم قدرة التجار على تكوين مخزون يكفي لمواجهة أي إغلاق جديد للمعابر.
وأشار إلى أن أزمة الخبز الأخيرة كشفت خطورة هذا الواقع، إذ أدى إغلاق المعابر وانقطاع إمدادات الطحين إلى توقف المخابز وعودة الطوابير الطويلة، مؤكدًا أن استئناف عمل بعض المخابز بصورة جزئية لا يعني انتهاء الأزمة أو تجاوز أسبابها.
وشدد محيسن أن استمرار الاعتماد على الواردات اليومية دون توفير مخزون احتياطي يجعل الأمن الغذائي لمئات الآلاف من المواطنين عرضة للانهيار المباشر مع أي توقف مفاجئ لحركة المعابر، مضيفًا أن "المواطن في غزة بات مهدداً بفقدان رغيف الخبز بمجرد انقطاع الإمدادات".
وأكد أن المطلوب ليس مجرد السماح بدخول أعداد محدودة من الشاحنات، وإنما ضمان تدفق منتظم وكافٍ للمساعدات والبضائع، وإعطاء الأولوية للسلع الأساسية لسد الفجوة بين العرض والطلب.
ترتيبات لإدخال الطحين وتأهيل 72 مخبزًا
على الجانب الميداني المتعلق بإنتاج الخبز، كشف رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، عن ترتيبات جارية لإدخال ألف طن من الطحين اليوم الأحد، وألف طن إضافية غدًت الاثنين عبر معبر كرم أبو سالم.
وبيّن العجرمي لـ "وكالة سند للأنباء"، أن قطاع غزة يحتاج يوميًا إلى 450 طنًا من الطحين لتغطية الاستهلاك، في حين كانت إمدادات برنامج الغذاء العالمي لا تتجاوز 200 طن يوميًا، ما خلق عجزًا حادًا وطوابير طويلة.
ورأى أن استئناف ضخ الطحين التجاري إلى جانب إمدادات برنامج الغذاء العالمي واللجنة المصرية سيسهم بفاعلية في سد هذه الفجوة وإعادة تشغيل المخابز المتوقفة، بما فيها اليدوية.
وأشار العجرمي إلى أن خطة المعالجة الدائمة تتطلب إعادة تأهيل وتهيئة 72 مخبزًا كانت تعمل في قطاع غزة قبل الحرب وموزعة على مختلف المحافظات، لضمان استعادة القدرة الإنتاجية وتوزيع الخبز بانتظام دون عناء البحث عنه لساعات.
انفراجة مرهونة بالاستدامة
ويتفق "ضيفا سند" أن المشهد المعيشي في قطاع غزة يظل هشًا؛ إذ إن توفير الخبز أو تقليص الطوابير لا يعني انتهاء الأزمة ما لم تتحول حركة المعابر إلى تدفق مستدام وكافٍ يتجاوز سياسة "التقطير" ويسمح ببناء مخزون احتياطي آمن للغذاء والسلع الضرورية.
وتتزامن هذه التحذيرات مع تراجع حاد في الإمدادات والمساعدات الدولية الموجهة لقطاع غزة، إذ يشهد القطاع منذ نحو أسبوعين نقصًا شديدًا في السلع والمواد الأساسية كالمواد الغذائية الطازجة والطحين جراء الإغلاقات المتكررة للمعابر، ما تسبب في نفاد العديد من الأصناف من الأسواق وارتفاع أسعارها بشكل كبير على المواطنين.
وفي هذا السياق، قلّص برنامج الأغذية العالمي مساعداته الغذائية جراء نقص التمويل؛ حيث انخفض عدد المستفيدين من 1.6 مليون شخص في سبتمبر/ أيلول الماضي إلى 1.1 مليون في أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، ما حرم نحو نصف مليون شخص من المساعدات الإنسانية.
وشملت التخفيضات تقليص حصص الطحين، وتخفيض الطرود الغذائية للأسر من طردين إلى طرد واحد، إضافة إلى تراجع الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة، ما فاقم عجز العائلات عن تعويض نقص الخبز.
من جانبها، كشفت بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" عن هبوط حاد في إنتاج الخبز المدعوم بنسبة تقارب 41%، حيث انخفض الإنتاج من 170 ألف ربطة يوميًا في يناير/ كانون الثاني إلى 100 ألف ربطة في أغسطس/ آب، وهو ما يغطي 34% فقط من الاحتياجات الأساسية للسكان، نتيجة القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال على إدخال المستلزمات الأساسية.
