مع اقتراب فصل الشتاء في غزة وغروب الشمس مبكراً، تغرق خيمة أسيل عايش في مخيم النصيرات للاجئين في الظلام عند حلول الليل. وفي الأسبوع الماضي، قطعت شركة الكهرباء الخاصة عنها التيار بعدما عجزت عن سداد فاتورة تجاوزت 180 شيكلاً، أي نحو 59 دولاراً.
وقالت عايش، البالغة من العمر 24 عاماً، والتي تشارك الخيمة مع زوجها وابنتهما الرضيعة: "أحتاج إلى استخدام الضوء طوال الليل لأتمكن من تحضير الحليب والعشاء لابنتي". وقال زوجها، وسيم محمد عايش، إنه تعرض لعضة جرذ تسلل إلى الخيمة المظلمة، ما أدى إلى إصابته بعدوى.
ومع انهيار شبكة الكهرباء في غزة، أصبحت المولدات الخاصة المصدر الوحيد للكهرباء لمعظم سكان القطاع، فيما ارتفعت أسعارها بشدة.
وبحسب مزودي الخدمة، تبلغ تكلفة الكيلوواط/ساعة من المولدات نحو 30 شيكلاً، أي حوالي 9.80 دولارات، مقارنة بثلاثة أو أربعة شواقل قبل حرب الإبادة الإسرائيلية.
ويوصل أصحاب المولدات المشتركين بخطوط الكهرباء الخاصة بهم، مع تركيب عدادات لقياس الاستهلاك، وتُحصّل الفواتير أسبوعياً، فيما تُقطع الخدمة عمّن لا يسدد في الموعد.
ولم تكن غزة مكتفية بالكهرباء قبل الحرب. فقبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان القطاع يحصل على نحو 212 ميغاواط، أي أقل من نصف احتياجاته التشغيلية. وكان معظم التيار يأتي عبر خطوط الكهرباء الإسرائيلية، فيما توفر محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة الباقي.
وفي أفضل الأحوال، كانت المنازل تحصل على الكهرباء بالتناوب، في فترات مدتها ثماني ساعات. وكان نحو 350 مولداً كهربائياً خاصاً يعمل لتغطية النقص.
وفور بدء حرب الإبادة، قطعت سلطات الاحتلال خطوط الكهرباء وأوقفت إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل محطة التوليد. ومنذ ذلك الحين، دمر القصف نحو 5080 كيلومتراً من خطوط الكهرباء و2285 محولاً كهربائياً، وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي يقدر خسائر القطاع بنحو 1.4 مليار دولار.
وتعمل المولدات التي حلت محل الشبكة بالوقود وزيت المحركات وقطع الغيار، وهي مواد تمنع سلطات الاحتلال دخولها إلى القطاع المحاصر.
وبالقرب من عايش، يعيش أشرف محمد، المعروف باسم أبي محمد، مع أسرته المكونة من تسعة أفراد في مخزن صغير كان يُستخدم سابقاً متجراً أو مستودعاً، ويُؤجر الآن للسكن بسبب قلة المنازل المتبقية. فقد أشرف عمله خلال الحرب، وأصبح كل شيكل مهماً بالنسبة إليه.
وقال: "لقد فقدت عملي بسبب الحرب، وأحتاج الآن إلى أكثر من 2000 شيكل، أي 655 دولاراً، شهرياً. بعت سيارتي خلال الحرب لأعيل أسرتي".
وبلغت فواتير الكهرباء الأسبوعية للعائلة الشهر الماضي 582 شيكلاً، أي 190 دولاراً. وتستخدم الأسرة الكهرباء الآن لشحن الهواتف، حتى يتمكن اثنان من أبنائها من متابعة دروسهما الجامعية عبر الإنترنت، ولتشغيل مصباح واحد لبضع ساعات في المرة.
وقالت زوجته أم محمد: "علينا تقليص نفقاتنا الأساسية لدفع فاتورة الكهرباء. لا ننفق كثيراً على الطعام، ولا نستطيع دفع الرسوم الجامعية كاملة لأبنائنا". وأوضحت أن الكهرباء كانت متوفرة لهم ست ساعات يومياً قبل الحرب، لكن سعرها كان معقولاً.
اقتصاد المولدات الخاصة
تُعد شركة أبو زايد وأبناؤه للتجارة والاستيراد من أكبر مزودي المولدات الكهربائية في وسط قطاع غزة. تأسست الشركة عام 2017، ودخلت مجال الكهرباء مع بداية الحرب، وشغّلت خطوطها الأولى في الزوايدة، حيث انطلقت، قبل أن تتوسع إلى عشرة فروع في أنحاء القطاع.
وقالت المديرة العامة للشركة، آية شاهين، إن المولدات الخاصة تعمل نحو 20 ساعة يومياً، من السابعة صباحاً حتى الثالثة فجراً، وتستهلك ما بين 40 و100 لتر من الوقود في الساعة. وأضافت: «تتمتع مولداتنا بقدرة عالية جداً، ولا يمكن مقارنتها بمولدات المنافسين الصغيرة».
ومع تقييد واردات الوقود، تصنع الشركة وقود الديزل في مصنع خاص. وقالت شاهين إن الشركة كانت من أوائل الشركات في غزة التي فعلت ذلك، ما أتاح لها مواصلة العمل. وعندما سُئلت عن تكاليف التشغيل، قالت إن الأرقام تتغير باستمرار، بحيث لا يمكن تقديم تقدير دقيق.
ويبلغ عدد مشتركي الشركة حالياً نحو 25 ألفاً. وقالت شاهين: "سعر الكيلوواط ثابت عند 30 شيكلاً. لكل مشترك عداد مستقل، يحضره معه ونقوم بتوصيله". وتُحصّل الفواتير أسبوعياً لتجنب تراكم الديون مع ارتفاع الأسعار.
وقالت شاهين إن شركة أبو زايد لا تمد أسلاكاً إلى الخيام، لأن حدوث تماس كهربائي قد يتسبب في حريق وكارثة، مشيرة إلى أن زبائنها يسكنون في منازل لا تزال قائمة أو في مساكن مستأجرة.
أما محمود البابا، الذي يملك مولداً كهربائياً في المحافظة الوسطى، فيمد خطوط الكهرباء إلى الخيام، ومنها خيمة عايش. وقال: "أليس الناس في الخيام بشراً حتى لا أمد لهم الكهرباء؟".
ويتقاضى البابا 29 شيكلاً للكيلوواط/ساعة، ويستخدم نظام العدادات والفواتير الأسبوعية نفسه. وقال: "الدفع نقداً أو عن طريق التحويل المصرفي، ومن لا يدفع نقطع عنه الكهرباء".
التخلي عن الكهرباء
تلغي العائلات التي لا تستطيع تحمل التكلفة اشتراكاتها، وتختار العيش في الظلام لتوفير المال للطعام والإيجار. ويشحن بعض السكان هواتفهم في نقاط الشحن المنتشرة في أنحاء القطاع، مقابل بضعة شواقل في كل مرة، لكنها لا توفر الإضاءة أو التدفئة أو وسيلة للطهي.
وقال المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر إن الألواح الشمسية، التي ساهمت في تخفيف أزمة الكهرباء في مناطق مثل لبنان، باهظة الثمن ويصعب الحصول عليها في غزة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الكهرباء زاد تكاليف الإنتاج لدى الشركات الصغيرة بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المئة، وأن أسعار السلع قد تنخفض بنسبة 15 في المئة إذا توفرت الكهرباء بأسعار معقولة. وحذر من أن استمرار ارتفاع الأسعار سيستنزف مدخرات الأسر ويدفعها إلى تراكم الديون لتغطية نفقاتها الأساسية.
ومن المرجح أن تواصل الأسعار ارتفاعها. ففي 12 أكتوبر/تشرين الأول، حددت هيئة الطاقة والموارد الطبيعية في غزة سعر الكهرباء المولدة عند 29 شيكلاً للكيلوواط/ساعة. وقالت شاهين إن شركتها تحمل ترخيصاً من الهيئة، لكنها لا تستطيع خفض السعر.
وأضافت: "هناك نقص حاد في زيت المولدات الكهربائية. أتوقع أن يرتفع السعر خلال أيام".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع موندويس أضغط هنا
