الساعة 00:00 م
الخميس 29 أكتوبر 2026
23° القدس
22° رام الله
21° الخليل
28° غزة
4.16 جنيه إسترليني
4.4 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.49 يورو
3.12 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

حكومة وحدة أم انتخابات جديدة؟ 4 سيناريوهات تحكم مستقبل حكومة الاحتلال

"إداري" مفتوح وعزل مطوّل.. هكذا ينتقم الاحتلال من الأسيرة بشرى الطويل

حجم الخط
الأسيرة بشرى الطويل
رام الله – وكالة سند للأنباء

"ما يجري مع بشرى هو انتقام.. وليس له أي تفسير آخر"، بهذه العبارة اختصرت منتهى الطويل حكاية ابنتها الصحفية والأسيرة الفلسطينية بشرى الطويل (33 عامًا)، التي تكابد الاعتقال الإداري المفتوح ومرار العزل الانفرادي المطوّل.

وتتجاوز حكاية الأسيرة بشرى حدود الاعتقال التقليدي لتلامس قضيةً إنسانية عميقة؛ حيث يُستهدف الإنسان على هويته، وينتقل سيف "الاعتقال الإداري" والاضطهاد كإرث ثقيل من الآباء إلى الأبناء، لتجد بشرى نفسها اليوم وحيدة في زنازين العزل، محتجزة بعيدًا عن رفيقاتها وعالمها الخارجي.

وتؤكد والدة بشرى لـ "وكالة سند للأنباء" أن استهداف ابنتها يتكئ على دوافع انتقامية متعددة؛ تطالها وتطال والدها المعتقل إداريًا وعائلتها والشعب الفلسطيني عمومًا، معتبرةً أن تحويلها للاعتقال الإداري يحمل دليلاً قاطعًا على غياب أي تهمة أو مسوغ قانوني ضدها.

خديعة الاستدعاء.. ورحلة الاعتقال

وبالعودة إلى ملابسات الاعتقال في الخامس من فبراير/ شباط الماضي، تستذكر الوالدة التطورات التي سبقت العملية، مؤكدة أنها كشفت بوضوح عن نوايا الاحتلال الانتقامية.

وتوضح أن بشرى تلقت اتصالاً هاتفيًا من ضابط بمخابرات الاحتلال يطلب منها الحضور في اليوم التالي للمقابلة في معسكر "سالم" قرب جنين أو معسكر "حوارة" قرب نابلس، في إجراء استثنائي وغير مألوف لسكان محافظة رام الله الذين تُجرى مقابلاتهم عادة في معسكر "عوفر".

وعندما تساءلت بشرى عما إذا كان الاستدعاء مجرد مقابلة أم تمهيدًا للاعتقال، طمأنها الضابط مؤكداً عدم وجود أي تهمة ضدها.

وفي طريقها إلى معسكر "سالم"، عاود الضابط الاتصال ليبلغها بتأجيل الموعد؛ لتنشب بينهما مشادة كلامية أبلغته على إثرها رفضها الحضور مجدداً.

وأثناء طريق عودتها إلى البيت، جرى توقيفها على حاجز "عين سينيا" قرب رام الله، واقتيدت فورًا إلى سجن "المسكوبية" بالقدس المحتلة، لتبدأ رحلة جديدة من الاعتقال الإداري المفتوح دون سقف محدد أو تهمة معلنة.

تنقلات تعسفية وعزل عبر 3 سجون

لم تقتصر الانتهاكات على الاعتقال التعسفي، بل تحول العزل والتنقلات المتكررة إلى أداة تنكيل إضافية؛ إذ خضعت بشرى خلال فترة اعتقالها الحالي لعمليات عزل متكررة ولفترات متفاوتة، استمر أحدها 14 يومًا مع أسيرتين أخريين في سجن "الدامون"، تحت مبرر معلن وهزيل ادعى صلة قرابتهن بقياديين فلسطينيين.

غير أن التصعيد الأشد بدأ في 23 أغسطس/ آب، فبعد ساعات معدودة من زيارة المحامي لها في "الدامون"، نُقلت فجأة إلى عزل سجن "نفي ترتسيا" في الرملة، حيث فرضت إدارة السجون تعتيمًا كاملاً ومنعت المحامين من زيارتها بحجة نقلها المستمر بين الأقسام.

وفي فصل جديد من الخديعة، أُجبرت في الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول على توقيع أوراق تفيد بإعادتها إلى "الدامون"، لتتفاجأ في اليوم التالي بنقلها تعسفيًا إلى سجن عزل "أوهلي عوز" في بئر السبع، وهو سجن بعيد جداً ومخصص للأسرى الجنائيين الإسرائيليين، ما يضاعف من المخاطر المحدقة بها والضغط النفسي الواقع عليها.

ووسط هذه الظروف القاسية، جدّدت سلطات الاحتلال أمر الاعتقال الإداري بحق بشرى لمدة أربعة أشهر إضافية.

سحل وضرب في زنازين معزولة

وعقب جهود قانونية مضنية، تمكن المحامي من زيارتها في 14 أكتوبر/ تشرين الأول في سجن "أوهلي عوز"، لينقل للعائلة صورة مرعبة عما تعانيه بشرى بعد نحو 50 يوماً متواصلة من العزل الانفرادي المطوّل.

وفقاً لإفادة المحامي، تعرضت بشرى للسحل والضرب المباشر على رأسها بالقيود الحديدية ("الكلبشات")، ما ترك آثار كدمات واضحة على جسدها، فضلاً عن تعرضها للشتائم ورشها بالغاز داخل الزنزانة، وتناقص وزنها بشكل ملحوظ.

ورغم أن هذا الاعتقال ليس الأول لبشرى، إلا أن والدتها تبدي قلقًا بالغًا إزاء استمرار عزلها في سجن بعيد، في ظل مماطلة سلطات الاحتلال في السماح للمحامين بمعاودة زيارتها.

وتقبع بشرى اليوم بوصفها الأسيرة الأمنية الوحيدة في سجن بئر السبع، حيث تخضع غرفتها لمراقبة الكاميرات على مدار 24 ساعة، ما يحرمها من أدنى مساحة للخصوصية أو الطمأنينة.

وتكابد بشرى ظروفًا كارثية داخل زنزانتها الفارغة تماماً من أبسط مقومات الحياة؛ فالطعام شحيح، وتضطر لشرب مياه الحنفية الملوثة ذات اللون الأصفر، إلى جانب حرمانها من الملابس وغسلها، ونومها على فراش رديء ومتسخ للغاية وبطانية بالية لا تقيها قسوة الأرض.

ويقتحم هذا العزل تراكمات معاناتها الصحية السابقة، إذ كانت تعاني من مرض الجرب ("السكابيوس") قبل نقلها للعزل، وسط حرمان ممنهج من الرعاية والعلاج الطبي.

انتقام عائلي وانتهاك صارخ للقانون

من جانبها، تؤكد مديرة التوثيق في نادي الأسير الفلسطيني، أماني سراحنة، أن ما تتعرض له بشرى يمثل "استهدافًا غير مسبوق لها إطلاقًا، وتجربة بالغة القسوة"، مشددة على أن ما يجري بحقها هو انتقام عائلي بحت.

وأوضحت سراحنة، في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء"، أن بشرى والعديد من أبناء القيادات الفلسطينية كوالدها القيادي الأسير جمال الطويل، يدفعون ثمن الانتماء العائلي؛ إذ تدور العديد من الإفادات التي تدلي بها بشرى للمحامين حول والدها.

ولفتت إلى أن بشرى تعد إحدى ضحايا سياسة الاعتقال الإداري المتكرر، وهو السلوك الذي يمارسه الاحتلال مع والدها الذي يُصنف كأحد أبرز القيادات المستهدفة بهذا النوع من الاعتقال.

واليوم، يُجدد اعتقالها دون سقف زمني، وتخضع للعزل والتنكيل والاعتداء، رغم كون اعتقالها تعسفياً وبلا تهمة.

وأعربت سراحنة عن قلقها البالغ جراء نقل بشرى إلى سجن مخصص للسجناء الجنائيين الإسرائيليين، مؤكدة أن التعقيدات المفروضة على زيارتها تعكس رغبة الاحتلال في عزلها عن العالم الخارجي تمامًا، وتعريضها لمخاطر وضغوط شديدة كفتاة فلسطينية تقبع بين مجرمين جنائيين.

مستويات عزل مضاعفة ومخالفة للدولية

وتكشف قضية بشرى عن إحدى أبرز التحولات التي فرضتها إدارة السجون، والمتمثلة في التصاعد اللافت لسياسة العزل بحق الأسرى والأسيرات.

فمنذ بدء حرب الإبادة، شهدت السجون طفرة في عمليات العزل؛ حيث تبين سراحنة أن عزل الأسيرات ليس سياسة جديدة بل ممتدة تاريخيًا، كما في حالتي خالدة جرار وبشرى الطويل، لكنها تصاعدت مؤخرًا لتصل إلى 3 أضعاف مستوياتها المسجلة قبل الحرب.

وتُنفذ آلية العزل الحالية بطريقة ممنهجة وقمعية؛ حيث تُستهدف غرفة محددة بالقمع من قِبل وحدات خاصة، ثم يُختار عدد من الأسيرات بشكل تعسفي لعزلهن دون أسباب معلنة، بغرض قطعهن تماماً عن العالم الخارجي كشكل من أشكال التعذيب النفسي، ما يحرم الأسيرة من أي إمكانية حقيقية لمعرفة ما نُسب إليها أو الاعتراض عليه.

ويتنافى هذا الإجراء مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء ("قواعد نيلسون مانديلا")، التي تحظر العزل الانفرادي غير المحدد والمطوّل، وتعرّفه بأنه احتجاز السجين 22 ساعة أو أكثر يومياً دون تواصل إنساني ذي معنى.

وتصنف هذه القواعد العزل المتواصل لأكثر من 15 يوماً كـ "عزل انفرادي مطوّل"، لا يجوز استخدامه إلا في حالات استثنائية، وكملاذ أخير، ولأقصر مدة ممكنة.

وكانت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب قد أعربت، في ملاحظاتها الختامية بشأن التقرير الدوري السادس لـ"إسرائيل" لعام 2025، عن قلقها العميق إزاء استخدام العزل الانفرادي لفترات تتجاوز بصورة كبيرة المدد التي تسمح بها المعايير الدولية، موصية بوضع حد أقصى مطلق للعزل لا يتجاوز 15 يوماً متتالياً.