الساعة 00:00 م
الإثنين 02 نوفمبر 2026
27° القدس
27° رام الله
27° الخليل
30° غزة
4.21 جنيه إسترليني
4.43 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.52 يورو
3.14 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

حكومة الاحتلال المقبلة.. العرب أمام خيارات صعبة

10 ملايين فلسطيني في الشتات.. هل يحول الزخم الأوروبي "بلفور" إلى ورقة ضغط؟

حجم الخط
وعد بلفور 109
رام الله – وكالة سند للأنباء

بعد 109 أعوام على وعد بلفور المشؤوم، لا يزال المشهد الفلسطيني محكومًا بمعادلة ثنائية؛ تمدد استيطاني ونزوح مكرر ينهكان الأرض والسكان، مقابل تحول في المزاج الأوروبي العام ينزع عن الاحتلال شرعيته السياسية والشعبية، ويفتح الباب أمام مطالبات جدية بإلزام بريطانيا بتحمل تبعات وعدها التاريخي.

وتتقاطع في هذا الملف شهادتان تعكسان عمق الكارثة وسبل مواجهتها؛ فبينما يستعرض الواقع الميداني تسلسلًا ديموغرافيًا لمأساة الشتات وتكرار النزوح منذ النكبة، تفكك القراءة السياسية التحولات الجارية في البيئة الغربية، مفندة آليات الاستثمار الحقوقي والشعبي للضغط على صناع القرار لملاحقة التبعات القانونية للتصريح الاستعماري.

ويؤكد مدير مؤسسة العودة الفلسطينية وعضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، ياسر علي، أن وعد بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر عام 1917 لم يكن رسالة سياسية عابرة، بل مثّل بداية لكارثة تاريخية ممتدة دفعت ثمنها أجيال متعاقبة تهجيرًا وحروبًا مدمرة.

وبيّن علي في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن تبعات الوعد البريطاني لم تقف عند حدود نكبة عام 1948 التي اقتلعت أكثر من 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم بل استمرت لتصنع أطول مأساة لجوء في التاريخ الحديث، وتحول الفلسطيني إلى ضحية متجددة للنزوح في وطنه ومناطق لجوئه دون أن يتمكن من العودة إلى دياره.

وأوضح أن المعاناة انتقلت من جيل النكبة إلى الأبناء والأحفاد في المخيمات، مشيرًا إلى أن الأرقام تعكس حجم هذه الكارثة الممتدة؛ إذ يُقدّر عدد الفلسطينيين حول العالم بنحو 15.5 مليون نسمة، يتوزع 8.1 مليون منهم في الشتات، من بينهم 6.8 مليون في الدول العربية.

بينما يعيش نحو 1.86 مليون داخل أراضي عام 1948، ما يعني أن قرابة 10 ملايين فلسطيني يقيمون خارج الضفة الغربية وقطاع غزة.

وأضاف أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" تسجل نحو 5.9 مليون لاجئ، يعيش أكثر من مليون ونصف المليون منهم في 58 مخيمًا معترفًا به في مناطق عمليات الوكالة الخمس، في شاهد متواصل على عجز المجتمع الدولي عن إنهاء قضية اللجوء التي بدأت قبل نحو ثمانية عقود.

حروب تطارد اللاجئين في المنافي

واستعرض المحطات المأساوية التي عاشها الفلسطينيون في الشتات، قائلًا إنّ مخيمات اللجوء تحولت على مدار العقود إلى ساحات للحروب والمجازر والتدمير، بدءاً من مأساة مخيم تل الزعتر عام 1976، مرورًا بمجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، وحرب المخيمات في لبنان، وصولاً إلى تدمير مخيم نهر البارد عام 2007 الذي اضطر نحو 27 ألف لاجئ إلى مغادرته.

ولفت إلى أن المأساة تكررت في سوريا بتعرض مخيم اليرموك ومخيمات أخرى للحصار والدمار، حيث تشير تقديرات "أونروا" لعام 2026 إلى وجود نحو 418 ألف لاجئ فلسطيني في سوريا لا يزال 30% منهم يعانون نزوحًا طويل الأمد.

فيما يواجه اللاجئون في لبنان ظروفًا شديدة الصعوبة في ظل القيود الفرضة على العمل والتملك وارتفاع معدلات الفقر، مما يؤكد أن الفلسطيني ظل عرضة لفقدان مأواه وأمانه متوارثاً ذاكرة النكبات.

وفي السياق ذاته، شدد ياسر علي أن ما تعرض له قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الماضية يجسد إحدى أكثر صور المأساة قسوة؛ إذ أدت الحرب الإسرائيلية إلى استشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 175 ألفًا آخرين، إلى جانب تهجير نحو مليوني إنسان وتدمير أحياء ومخيمات كاملة.

وأوضح أن التقييمات الأممية كشفت تضرر نحو 82% من مباني القطاع (ما يعادل أكثر من 201 ألف مبنى، بينها ما يزيد على 134 ألف مبنى دُمّر بالكامل)، فضلاً عن تضرر أكثر من 328 ألف وحدة سكنية، ما جعل العائلات التي لجأت لغزة عام 1948 تفقد منازلها مجددًا وتنتقل بين الخيام، لافتًا إلى أن التقديرات الدولية تضع احتياجات التعافي وإعادة الإعمار عند نحو 71.4 مليار دولار.

الحراك الأوروبي.. تحولات شعبية وضغوط سياسية

على الضفة الأخرى من المشهد، يؤكد رئيس المجلس الأوروبي الفلسطيني للعلاقات السياسية ورئيس مؤتمر فلسطينيي أوروبا، ماجد الزير، أن الذكرى الـ 109 لصدور وعد بلفور تأتي في ظل تحولات جوهرية في الرأي العام الأوروبي وتنامي الدعم الشعبي والسياسي للحقوق الفلسطينية، معتبراً أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة تاريخية للضغط على بريطانيا لانتزاع اعتذار رسمي عن الوعد وتبعاته.

وقال الزير في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء" إن المعادلة الشعبية والسياسية في أوروبا وبريطانيا شهدت تحولاً ملحوظًا لصالح القضية الفلسطينية، في ظل تراجع الصورة التقليدية للاحتلال وانكشاف الأكاذيب التي روجتها جماعات الضغط الصهيونية لتبرير الدعم الغربي المطلق لـ "إسرائيل".

وأوضح أن التضامن الأوروبي مع غزة وفلسطين تُرجم إلى ضغوط سياسية ودبلوماسية انعكست على المشهد الانتخابي بوصول شخصيات داعمة للحقوق الفلسطينية إلى البرلمانات المحلية والوطنية والأوروبية.

وأكد أن الحراك الشعبي لم يتوقف مع هدنة أكتوبر 2025 بل اتسع نطاقه ليقترب من 70 ألف مظاهرة وفعالية تضامنية في نحو 800 مدينة موزعة على 30 دولة أوروبية.

وبيّن الزير أن هذا التحول يفرض على صناع القرار الأوروبيين إعادة النظر في سياساتهم والاتجاه نحو مواقف أكثر توازنًا، لا سيما مع تصاعد الخلافات بين الحكومات الأوروبية واليمين الإسرائيلي بشأن الاستيطان.

وأشار إلى أن العلاقات البريطانية الإسرائيلية تشهد حالة من التوتر والخلاف السياسي والدبلوماسي انعكست على الإجراءات والعلاقات التجارية، مما يفتح المجال أمام تحرك فلسطيني منظم يستثمر هذه المتغيرات.

مسؤولية تاريخية ومطالبة بالاعتذار والتعويض

واتفق علي والزير على أن مرور 109 أعوام على التصريح البريطاني يضع لندن أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية وسياسية لا مفر منها تجاه الشعب الفلسطيني.

وشدد ماجد الزير أن المناسبة ينبغي ألا تمر باعتبارها محطة لاستذكار الظلم فحسب، بل يجب تحويلها إلى فرصة لإطلاق حملة سياسية وشعبية وقانونية واسعة داخل بريطانيا بالتعاون مع المتضامنين والمؤسسات الحقوقية، بهدف ممارسة ضغط حقيقي على الحكومة البريطانية لتقديم اعتذار رسمي للشعب الفلسطيني.

وأشار إلى وجود سوابق تاريخية اعتذرت فيها بريطانيا عن ممارسات استعمارية سابقة، مؤكدًا أن الاعتذار يجب ألا يتوقف عند الحدود الرمزية أو الإقرار بالمسؤولية، بل ينبغي أن تترتب عليه خطوات عملية وتأثيرات قانونية وإمكانية المطالبة بالتعويضات.

ودعا القوى الفلسطينية في بريطانيا وحول العالم إلى توحيد جهودها لجعل الاعتذار مطلبًا حاضراً على أجندة الحكومة البريطانية.

من ناحيته رأى ياسر علي في ختام حدثه أن أي معالجة عادلة للمأساة لا يمكن أن تقتصر على المساعدات الإنسانية أو إعادة الإعمار، بل تتطلب معالجة الجذور السياسية والتاريخية للقضية وفي مقدمتها الاعتراف بحقوق اللاجئين وضمان عودتهم وتعويضهم.

وأوضح أن أخطر ما خلّفه وعد بلفور هو تحويل اللجوء إلى واقع يتوارثه الأبناء عن الآباء، وأن الفلسطيني الذي هُجّر بالأمس من أرضه يُهجّر اليوم من خيمته، ليبقى حقه في العودة القضيةَ الجوهرية التي لا حسم دون تحقيقها.