الساعة 00:00 م
الثلاثاء 03 نوفمبر 2026
24° القدس
22° رام الله
23° الخليل
27° غزة
4.21 جنيه إسترليني
4.43 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.52 يورو
3.14 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

109 أعوام على وعد من لا يملك.. كيف تعايش أجيال غزة تبعات "بلفور" تحت النار؟

حجم الخط
وعد بلفور في الذاكرة الفلسطينية
غزة - هداية عصمت حسنين - وكالة سند للأنباء

حين يتسلل اسم "بلفور" إلى الذاكرة الجمعية للفلسطينيين، فإنه لا يستدعي وثيقةً دبلوماسيةً باهتةً يطويها الأرشيف البريطاني في لندن، بل يبعث حيةً رائحةَ البارود، وأصواتَ الفقد الممتدة تحت وطأة اللجوء، ومرارةَ التشرد التي تجرّ أذيالها منذ تسعة وأعوام مئة.

فلم يكن التعهد الذي أبرمه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور للورد روتشيلد عام 1917 (مرت ذكراه المشؤومة أمس 2 نوفمبر/ تشرين الثاني) سوى الشرارة الأولى لزلازل المأساة؛ إذ أطلق العنان لمن لا يملك لمنح من لا يستحق، ضمن مقولة استعمارية مظلمة استهدفت محو شعب بكامله وطمس تاريخه من وجوده الأزلي.

واليوم، وتحديدًا من قلب حرب الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة، لا يقف الغزيّون أمام شريط التاريخ كشهودٍ يستذكرون ما مضى، بل يستقرئون واقعًا أليمًا يبرهن أن الجرح لم يبرأ بعد، وأن طيف "بلفور" ما زال يطارد أجسادهم بين ركام البيوت وأقمشة الخيام، شاخصًا كشاهدٍ أزلي على غدر الأمس وجور اليوم.

شهادات حية تكسر حاجز الأجيال

تتجلى قسوة هذا الإرث الاستعماري متسلسلة عبر نبض الشارع الغزي ومقابلة أبنائه، حيث تتضافر الشهادات بين كبار السن والشباب والأطفال، لتصادق على أن الذاكرة الوطنية ترفض الاندثار، وتنبض بأدق تفاصيل الأسى عصيةً على المحو مهما تمادين العقود.

في هذا السياق، يُشخّص السبعيني وجيه النجار (مواليد 1955) وعد بلفور بوصفه حاضرًا في تفاصيل يومه، مؤكدًا أنه يتجسد كـ "النقطة السوداء الأولى" في مسار محاولات تهجير الفلسطينيين، وانتزاع أرضهم، وسلب حقوقهم التاريخية.

ويوضح النجار، في حديثه لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، أن مشاهد الإبادة والتهجير القسري الراهنة لا تنفصل عن كونها امتدادًا حتميًا لتلك المقاربة الاستعمارية التي غُرست بذورها منذ الوعد المشؤوم عام 1917، مرورًا بمحطتي النكبة والنكسة، وصولاً إلى حرب المحو الراهنة.

ويشدد أن الرهان الإسرائيلي على اندثار الذاكرة وتغليب النسيان يمثل واهمًا محضًا، جازمًا بأن الشعب الفلسطيني ورغم أهوال التضحيات سينتزع حقوقه وأولها الحق في الحياة الكريمة لأطفاله وأجياله الناشئة، كونه استقر على عدالة قضيته منذ نعومة أظفاره.

"بلفور" في الوجدان الشعبي

ويتلاقى طرح "النجار" مع شهادة الشابة الثلاثينية بشرى لبد (مواليد 1993)، التي تقول إنّ تردد اسم "بلفور" لا ينيب في ذهنها صغائر الأوراق، بل يُجسّد مستهل فاجعة ممتدة؛ إذ جربت المأساة ذاتها خلال حرب الإبادة حين فقدت منزلها الذي نسجت ذكرياته طوال 20 عامًا، لتحيله آلة العدوان إلى ركام تحت صليت النار.

وتسترجع "لبد" مه "وكالة سند للأنباء" ذكريات نزوحها القسري داخل القطاع، مضيفةً: "أن التهجير يجرّد الإنسان من مساحة أمانه وذاكرته"، لافتةً إلى أن الوعد الصادر قبل 109 أعوام وضع اللبنة الأولى لسرقة الأرض وتغريب أصحابها.

وتجزم بأن جيل الشباب يستوعب التاريخ اليوم كواقعٍ يعايشه لحظة بلحظة بين الخيام والنزوح والفقد، مشيرةً إلى امتلاكهم أدواتٍ رقمية حديثة يذودون بها عن هويتهم من محاولات المحو.

تحذر من أن أشد الأخطار قاطبة تمكن في سلب ذاكرة الشعوب التي تصون الحكاية من التلاشي.

ومن جانبها، تشخص المراهقة أميرة الحاوي (16 عامًا) أبعاد الوعد الرمزية؛ إذ تقول لمراسلة "وكالة سند للأنباء" إنّ اسم بلفور يعيدها مباشرةً إلى مكابدة العيش في الخيمة ومستهل عذابات شعبها.

وتبين "الحاوي" أنها عندما كانت تتلقى دروس التاريخ عنه في المراحل الأساسية والإعدادية، كانت تطالع المادة بأسلوب خاطف لأغراض الدراسة، قبل أن تعاني تداعيات الوعد واقعًا حيًا خلال سنوات الإبادة؛ لتكتشف أن وجودها تحت القماش اليوم ليس إلا امتدادًا لقرارات التهجير، وأن بلفور بات حقيقة ملموسة تعتصر منها الوجع اليومي.

وعلى الصعيد ذاته، يبرز حال الطفلتين سلمى وسعاد البشيتي (دون الـ 11 عامًا)؛ فعند سؤالهما عن الوعد لم تتشكل لديهما المعرفة بمدلوله أو اسمه جراء تعطل العملية التعليمية واختفاء المدارس على مدار سنوات الإبادة الثلاث، مما حرمهما دراسة تفاصيله الأكاديمية.

إلا أن والدتهما تؤكد أنهما بالرغم من جهلهما بالاسم، فقد تجرعتا مرارة تبعاته وأحاطتا بكافة تفاصيل المأساة من خلال واقع النزوح والمعاناة الحالية.

قراءة تاريخية وتراثية

وفي سياق القراءة التحليلية، يؤكد أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعة الإسلامية بغزة، الدكتور نهاد الشيخ الخليل، أن السجل التاريخي الفلسطيني نوء بالظلم والهموم، جازمًا أن وعد بلفور لم يمثل حدثًا عابرًا انقضى أثره، بل امتد عبر منظومة سياسات معقدة استهدفت الوجود الفلسطيني بكامل مقوماته.

وينبه د. الشيخ الخليل، خلال حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن تتالي الكوارث وتسطيح المعرفة جراء الاستهلاك المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي والظروف القاسية يفرضان تحديات جسيمة، تُجدد التساؤلات الدائمة لدى الشباب: لماذا، ومتى، وإلى متى؟

ويرى أنه بالرغم من أن الشدائد المتواصلة قد تشغل الأجيال بالهم اليومي عن استقراء التاريخ، إلا أنها تحفز في المقابل سعيًا حثيثًا للبحث عن الجذور؛ مما يتطلب بلورة برامج نضالية ومؤسسية وطنية تعيد الروح للذاكرة الجمعية وتتجاوز مجرد سرد الأحداث إلى الفعل الميداني واستنهاض الوعي.

من جانبها تفكك الباحثة في الموروث الثقافي والهوية الدكتورة أماني رباح الأدوار المفصلية التي اضطلع بها التراث الشفهي والأهازيج الشعبية وأغاني الأعراس الفلسطينية، باعتبارها الدرع المتين في وجه محاولات القرصنة والتزوير التي تطال الهوية.

وتقول رباح لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، إلى أن اسم بلفور انغرس بوضوح في الوجدان الشعبي والأمثال والحس الجمعي عبر عبارات من قبيل "فليسقط وعد بلفور"، ليتحول إلى رمز صريح للجور وغياب العدالة الدولية.

وتشدد "رباح" على الأهمية البالغة لتداول الرواية الشفهية عبر الأسر الممتدة والجدات اللاتي شكلن خط الدفاع الأول عن الذاكرة، صمودًا أمام مشاريع التهويد المتواصلة التي تستهدف الملامح والمكتبات والموروث الحضاري في القدس وغزة وسائر أرجاء فلسطين.

ويستقر وعد بلفور، بعد انقضاء 109 أعوام على صدوره، شاهدًا لا يمحى على خطيئة تاريخية كبرى شقّت الأبواب أمام اقتلاع شعب كامل من وطنه الممتد.

غير أن ما تجسده غزة اليوم من ثبات وتلاحم بين الألم والأمل، يبرهن يقيناً أن الذاكرة الفلسطينية تتعالى على كسر مشاريع التهويد والمحو.

وكما تصادق الشهادات الحية لكبار السن والشباب والأطفال، قد تتداعى البيوت فوق أصحابها، وتتشتت العائلات، وتحترق خيام النزوح، لكن المفاتيح والشهادات تنتقل بين الأيدي كالنار في الهشيم؛ فالأجيال التي أبصرت النور تحت حمم الإبادة، ولدت بوعي صلب مفاده أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الرواية الفلسطينية تكتسب خلودها من صمود أهلها وأصحاب الأرض الحقيقيين الذين يثبتون يوميًا أن الهوية الوطنية عصية على المحو أو الاختراق.