الساعة 00:00 م
السبت 07 نوفمبر 2026
15° القدس
14° رام الله
13° الخليل
21° غزة
4.25 جنيه إسترليني
4.49 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.55 يورو
3.19 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

بالفيديو 160 حالة تشوه خلقي في غزة خلال 3 أشهر.. أرحام الأمهات تواجه تداعيات الحرب

حجم الخط
تشوه الأجنة
غزة - أحلام عبد الله - وكالة سند للأنباء

تلاشت فرحة فائقة العريدي باحتضان طفلتها الأولى "نور"، بعد أربع سنوات من الانتظار ومحاولات الإنجاب المتكررة؛ إذ أبصرت المولودة النور دون يدين، لتضع الأسرة أمام رحلة مضنية من القلق والتساؤلات حول أسباب هذا التشوه الذي لم يُكتشف طوال فترة الحمل، في ظل ظروف الحرب والنزوح وسوء التغذية القاسية التي عاشتها الأم في قطاع غزة.

وتعيد حالة "نور"، التي تقطن حاليًا مع أسرتها النازحة في مخيم البريج وسط القطاع، فتح ملف المخاوف المتصاعدة بشأن صحة الأجنة والمواليد؛ لا سيما بعدما كشفت بيانات وزارة الصحة عن تسجيل 160 حالة تشوه خلقي خلال الربع الثالث من عام 2026، مقارنة بـ 53 حالة في الربع الثاني و47 حالة في الربع الأول.

استرجعت العريدي في حديثٍ مع مراسلة "وكالة سند للأنباء" تفاصيل الصدمة عقب ولادتها القيصرية، مبيّنة أنها لم تكن تعلم بوجود أي خلل لدى طفلتها، حتى أخبرها زوجها بأن مولودتهما وُلدت محرومة من اليدين.

واستعرضت الأم ظروف حملها القاسية، مشيرة إلى أنها تنقلت وهي في سن الـ 28 عامًا أكثر من 16 مرة هربًا من القصف المكثف حتى استقرت في البريج. موضحة أن استنشاق غبار المتفجرات والدخان، إلى جانب الحرمان المستمر من الأغذية الغنية بالفيتامينات والمكملات الضرورية، ربما أسهم في تدهور صحة الجنين.

قفزة بنسبة 202% في التشوهات الخلقية

وتتزامن مأساة هذه العائلة مع ارتفاع حاد في أعداد التشوهات الخلقية المُسجلة بمستشفيات القطاع؛ حيث بيّن تقرير صحة الأم والطفل للربع الثالث من عام 2026، الصادر عن وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة، رصد 160 حالة خلال الفترة بين يوليو/تموز وسبتمبر/ أيلول، مقابل 53 حالة في الربع الثاني و47 في الربع الأول.

وتترجم هذه الأرقام ارتفاعًا قياسيًا بنسبة 202% مقارنة بالربع الثاني، وبأكثر من ثلاثة أضعاف العدد المسجل في الربع الأول، وذلك وفق التقرير الذي أعده زاهر الوحيدي ونُشر في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2026.

 

ولم يقف الضغط عند هذا الحد، إذ وثقت المستشفيات ولادة 17,702 مولود حي خلال الربع الثالث، مقارنة بـ 7,208 مواليد في الربع الثاني و11,770 في الربع الأول، في طفرة عددية لم تفِ القدرة الاستيعابية لأقسام الولادة والحضانات بمواكبتها.

ورغم تشديد التقرير على تحسن بعض المؤشرات؛ كانخفاض نسبة الإجهاض من 24% إلى 12.3%، والولادات المبكرة من 11.7% إلى 9.1%، والولادات القيصرية من 30.6% إلى 25.8%، إلا أن هذا التراجع النسبي لم يحد من الارتفاع التراكمي للحالات الفتية في ظل الضغط المتواصل على المنظومة الصحية.

غموض الملوثات البيئية وغياب الفحوصات

وفي قراءته لهذا التصاعد الوبائي، أفاد مدير مستشفى الأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي بخان يونس، أحمد الفرا، بأن الحالات التي تتعامل معها الكوادر الطبية تتنوع بين تشوهات القلب الخلقية، وسقف الحنك، وعيوب الجهاز العصبي المركزي، فضلاً عن تشوهات متعددة ومربكة.

ولفت الفرا في مقابلة خاصة لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن التعرض للمواد الكيميائية والسامة الناجمة عن الذخائر والقصف المكثف يُعد عاملًا رئيسًا يستوجب التحقيق؛ بالنظر إلى الكميات الهائلة من المتفجرات ذات القوة التدميرية العالية التي أُلقيت على القطاع.

ونبه إلى أن الأطباء يفتقرون للإمكانيات التقنية التي تمكّنهم من تحليل ملوثات التربة والمياه الجوفية، أو قياس مستويات الإشعاع والمواد السامة في مناطق القصف، نتيجة منع إدخال المعدات المختصة.

وشدد أن غياب هذه الفحوصات يعيق الوصول إلى استنتاجات علمية جازمة حول طبيعة الملوثات وعلاقتها بالتشوهات، مؤكدًا الحاجة الماسة لإجراء دراسات بيئية ومخبرية وجينية شاملة تفكك لغز هذه الظاهرة.

سوء التغذية وغياب حمض الفوليك

ويربط الفرا الارتفاع في معدلات التشوهات بالواقع الغذائي المتدهور للأمهات؛ موضحًا أن سوء التغذية وحالات فقر الدم الحاد يؤثران مباشرة على نمو الجنين وتطوره داخل الرحم.

 

وبيّن أن عجز التغذية يسبب اضطرابًا في نمو الأعضاء ويضعف وظيفة المشيمة في إيصال العناصر الحيوية، مبرزًا الدور المفصلي لحمض الفوليك ومجموعة فيتامينات "ب" في بناء الجهاز العصبي المركزي وتأمين الانغلاق السليم للأنبوب العصبي للجنين.

وحذر من أن غياب هذه الفيتامينات خلال الأسابيع الأولى من الحمل ينجم عنه عيوب خطيرة في الجهاز العصبي، وفي مقدمتها استسقاء الدماغ وعدم اكتمال الأنبوب العصبي، مشيرًا إلى أن توقيت تعرض الحامل للمؤثرات الخارجية يُعد حرجًا في تحديد شكل التشوه ونوعيته.

وتطرق الفرا إلى تداعيات انهيار المنظومة الصحية على قدرة المستشفيات في التشخيص المبكر عبر الموجات فوق الصوتية (الألتراساوند)، ما أدى إلى حرمان العديد من النساء من الفحص المباشر في الوقت المناسب.

ونوه إلى أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة؛ حيث توجد حالات إجهاض ناجمة عن تشوهات لم تُصنف رسميًا ضمن هذا الإطار، إلى جانب أجنة وُلدت ميتة بتشوهات سُجلت فقط ضمن "ولادات الأجنة الميتة".

وذكر أن عملية توثيق البيانات الصحية واجهت شللاً خلال عامي 2023 و2024، قبل أن تستعيد بعضًا من انتظامها وتوثيقها الوبائي خلال عامي 2025 و2026.

وفيات أسبوعية بانتظار التحويل الخارجي

ولا تتوقف المأساة عند حدود التشخيص، بل تتدحرج لتصطدم بعجز التدخلات الجراحية المتخصصة داخل غزة؛ إذ أكد الفرا أن الحالات المصابة بتشوهات القلب تعد الأكثر خطورة وتتطلب تحويلاً طبياً عاجلاً للعمليات الدقيقة في الخارج.

وكشف الفرا عن تسجيل قسم الحضانة بمجمع ناصر الطبي وفاة حالتين إلى ثلاث حالات أسبوعياً بين الأطفال المصابين بأمراض القلب الخلقية، جراء منع التحويلات الطبية وحرمانهم من العلاج في الخارج.

في المقابل، يتم التعامل مع بعض التشوهات الظاهرية مثل تشوهات الفك والشفة الأرنبية وسقف الحنك، محليًا بواسطة أطباء التجميل وبالاستعانة بالوفود الطبية الزائرة.

اكتظاظ كارثي في أجهزة الحضانات

وتزداد معاناة هؤلاء الأطفال تعقيدًا مع الاكتظاظ الشديد في وحدات حديثي الولادة؛ إذ كشف تقرير وزارة الصحة عن ارتفاع نسبة إشغال هذه الوحدات إلى 151% خلال سبتمبر/أيلول، مقارنة بالحد الآمن المعتمد عند 85%.

وسجلت وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة نسبة إشغال بلغت 159%، بينما قفزت في وحدات الرعاية الخاصة إلى 199%، مما يعكس تباينًا حادًا بين الإمكانيات والاحتياج.

وأورد التقرير أن القطاع يعمل حاليًا بـ 120 حاضنة فقط من أصل 162 كانت تتوفر قبل الحرب، في حين وصل الاحتياج الفعلي خلال سبتمبر إلى 258 حاضنة، أي بعجز صافٍ يبلغ 138 حاضنة.

وسجلت 8 وحدات من أصل 13 نسبة إشغال جاوزت 100%؛ حيث بلغت في المستشفى الدولي الطبي بدير البلح 443%، وفي المستشفى الدولي الطبي بالكتيبة 397%، وفي مجمع ناصر الطبي 189%.

وجدد الفرا تأكيده أن كبح هذه الأزمة يتطلب استعادة منظومة الفحوصات الوراثية والجينية، وتمكين الفرق الطبية من إجراء دراسات بيئية ووبائية، إلى جانب توسيع مراكز التأهيل التخصصية للتعامل مع الأطفال المصابين.

ودعا إلى ضرورة تدشين مراكز متخصصة للدعم النفسي لأسر الأطفال المصابين، وتوفير متابعة صحية وتغذوية متواصلة لهم، لا سيما وأن العديد من الحالات يحتاج لبرامج جراحية وتأهيلية طويلة الأمد.

وخلص الفرا إلى أن كشف الأسباب الدقيقة لقفزة التشوهات يستلزم أبحاثًا علمية ميدانية تفحص مجاري التربة والمياه الجوفية ومواقع القصف، للتحقق من وجود الملوثات المشعة والسامة، وإجراء تحليل جيني دقيق يبني معطيات موثوقة لحماية الأجيال القادمة.