لم تقتصر تداعيات المنخفض الجوي الذي ضرب قطاع غزة منذ يوم أمس السبت، على غرق خيام النازحين وتلف مقتنياتهم، بل كشفت حجم العجز في مواجهة الطوارئ، بعدما غمرت المياه عشرات آلاف الخيام، وعجزت فرق الدفاع المدني عن الاستجابة لغالبية نداءات الاستغاثة، وسط انهيارات في مبانٍ متضررة ونقص حاد في المعدات والوقود ومستلزمات الإيواء.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي، أن مياه الأمطار غمرت نحو 70 ألف خيمة خلال 12 ساعة من بدء تأثير المنخفض، مقدّراً الخسائر الأولية بنحو ثلاثة ملايين دولار.
وأوضح أن الأضرار طالت مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، فيما تسببت الأمطار والرياح بانهيار جدران ومبانٍ تضررت سابقاً بفعل قصف الاحتلال الإسرائيلي.

وفي مؤشر إلى حجم الضغط على طواقم الإنقاذ، أعلن الدفاع المدني تلقي 2166 نداء استغاثة من المواطنين وإدارات مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، لكنه لم يتمكن من الاستجابة سوى لـ218 نداءً، بسبب كثافة البلاغات ومحدودية الإمكانات.
وأشار إلى أن المياه غمرت مناطق سكنية ومخيمات، ووصل منسوبها في بعض المواقع إلى نحو متر ونصف.
وكانت تقارير ميدانية، قد أشارت إلى تلقي الدفاع المدني نحو 1500 نداء استغاثة خلال الساعات الأولى من المنخفض، ما يعكس تزايد البلاغات مع استمرار هطول الأمطار واتساع رقعة المناطق المتضررة.

انهيارات ومخاطر على حياة السكان
ولم تتوقف الأضرار عند الخيام، إذ تسببت الأمطار والرياح بانهيارات جزئية في مبانٍ ومنازل متضررة بفعل القصف السابق.
وأفادت تقارير ميدانية بانهيار أجزاء من مبانٍ في مخيم النصيرات وحي الزيتون ووسط مدينة غزة، إلى جانب إجلاء سكان مبنى في النصيرات بعد تعرضه لانهيار جزئي.
وأصيب مواطنان جراء انهيار جدار مبنى متضرر شمال القطاع، في وقت تحدثت فيه تقارير أخرى عن انهيار منازل مهجورة دون تسجيل إصابات.

وتثير هذه الحوادث مخاوف من انهيار مزيد من المباني التي أضعفتها غارات الاحتلال الإسرائيلية، خصوصاً مع استمرار الأمطار والرياح.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، مساء السبت، إن المنخفض بدأ بالانحسار، وإن الأمطار المتوقعة خلال الساعات التالية ستكون أقل حدة، مرجحاً مرور نحو عشرة أيام دون منخفضات جديدة.
وأشار بصل إلى حجم الأضرار التي خلفتها الأحوال الجوية، داعياً إلى تحرك عاجل لتوفير احتياجات النازحين وإمكانات الاستجابة للطوارئ.

عجز في الإنقاذ ونقص في المعدات
وتواجه طواقم الدفاع المدني والبلديات صعوبات كبيرة في التعامل مع تداعيات المنخفض، نتيجة نقص الوقود والآليات ومعدات شفط المياه، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وشبكات الصرف الصحي والطرق خلال الحرب.
وأعلنت بلدية غزة استمرار طواقمها في تصريف مياه الأمطار، مع التركيز على المناطق المنخفضة ومحيط مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، مؤكدة أن شح الإمكانات ونقص الآليات والمعدات يحدان من قدرتها على التعامل مع تجمعات المياه.
وناشدت البلدية المؤسسات الدولية توفير الوقود والزيوت ومعدات تصريف المياه ومستلزمات الإيواء، داعية السكان إلى الابتعاد عن المباني المتصدعة والمواقع الخطرة، والإبلاغ عن تجمعات المياه والحالات الطارئة.

وقلّص تدمير الاحتلال آليات ومركبات خلال الحرب، إلى جانب نقص الوقود، قدرة البلديات والدفاع المدني على الاستجابة، خصوصاً فيما يتعلق بتشغيل الجرافات ومعدات شفط المياه وإجلاء العائلات المتضررة.
بلدية غزة: 335 بلاغاً واستغاثة
وفي تفاصيل التدخلات الميدانية، أعلنت لجنة الطوارئ في بلدية غزة أن طواقمها تعاملت يومي 6 و7 نوفمبر/تشرين الثاني مع تداعيات المنخفض الجوي، الذي شهد هطول نحو 60 ملم من الأمطار، بما يعادل 15% من المعدل السنوي.
وقالت اللجنة إن البلدية تلقت 251 بلاغاً وإشارة، إضافة إلى 84 نداء استغاثة، تتعلق بتجمعات مياه الأمطار وارتفاع منسوبها في الشوارع ومراكز الإيواء.
ونفذت طواقم البلدية أعمال شفط المياه ومعالجة التجمعات في المناطق المنخفضة، إلى جانب متابعة أوضاع مراكز الإيواء والتعامل مع الحالات الطارئة.

وأوضحت أن التدخلات شملت التعامل مع انهيار منزل مأهول في منطقة النصر، أسفر عن إصابة طفل، وانهيار مبنى غير مأهول، إضافة إلى انهيار في شارع الشفاء بمنطقة معان.
وأشارت لجنة الطوارئ إلى أن طواقم البلدية واجهت تحديات عدة، أبرزها الأضرار الواسعة التي لحقت بشبكات تصريف مياه الأمطار والبنية التحتية، ونقص آليات شفط المياه والمعدات الثقيلة، فضلاً عن تعدد البلاغات وتوزعها جغرافياً، وهشاشة أوضاع بعض مراكز الإيواء وصعوبة الوصول إلى عدد من المواقع.
تحذيرات أممية
وحذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" من المخاطر التي تواجه العائلات النازحة في المناطق المنخفضة والمعرضة للفيضانات، وكذلك السكان الذين يضطرون إلى الإقامة داخل مبانٍ متضررة.
وأشار المكتب إلى أن مخزونات المساعدات المتاحة لا تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة، داعياً إلى إدخال مستلزمات الشتاء والآليات الثقيلة وقطع الغيار والزيوت اللازمة لتشغيل المركبات والمولدات، إلى جانب توفير تمويل عاجل للاستجابة الإنسانية.
وتكتسب التحذيرات الأممية أهمية في ظل تقديرات سابقة أشارت إلى أن نحو 950 ألف فلسطيني يعيشون في مواقع نزوح معرضة لمخاطر متوسطة أو مرتفعة للفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مناطق شديدة الخطورة، وفق بيانات أممية سبقت المنخفض الأخير.

وأفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، أن نحو 1.98 مليون شخص، أي قرابة 94% من سكان القطاع، يحتاجون إلى المأوى والمساعدات غير الغذائية، وفق مسوح أُجريت خلال يونيو/حزيران 2026.
النساء والأطفال في مواجهة ظروف قاسية
من جهتها، حذرت وزارة شؤون المرأة، من تفاقم الأوضاع الإنسانية للنساء والفتيات النازحات، خصوصاً الأرامل والنساء المعيلات لأسرهن، في ظل غرق الخيام ونقص المأوى الجاف والأغطية والملابس الشتوية والفراش والغذاء والأدوية.
وقالت الوزارة إن نحو 258 ألفاً و927 أسرة نازحة تقيم في 2090 مركز إيواء، مطالبة بتوفير خيام مقاومة للأمطار وشوادر عازلة وبطانيات وملابس شتوية، ونقل الخيام المقامة في المناطق المعرضة للسيول إلى مواقع أكثر أماناً.
وأضافت أن عدد الأرامل في القطاع بلغ 64 ألفاً و413، بينهن 28 ألفاً و224 فقدن أزواجهن خلال الحرب، فيما ارتفع عدد الأسر التي تعيلها نساء إلى 86 ألفاً و290 أسرة.
وأشارت وزارة شؤون المرأة، إلى أن نحو 702 ألف امرأة وفتاة يواجهن انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

وتتفاقم معاناة هذه الفئات مع غياب أماكن الإيواء المناسبة وصعوبة تجفيف الملابس والأغطية، فضلاً عن نقص وسائل التدفئة والأدوية، ما يثير مخاوف من تداعيات صحية إضافية مع دخول فصل الشتاء.
مطالب بإدخال مستلزمات الإيواء
وفي ظل اتساع الأضرار، دعت ثمانية فصائل وقوى فلسطينية، في بيان مشترك أمس السبت، الوسطاء والجهات الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار إلى الضغط لضمان تنفيذ البروتوكول الإنساني وإدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً، تشمل المواد الغذائية والإغاثية ومستلزمات الإيواء والتدفئة.
وحملت الفصائل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية تفاقم الكارثة الإنسانية، مطالبة اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة بالقدوم فوراً ومباشرة مهامها.
وفي بيان صدر اليوم الأحد، قالت حركة حماس، إن غرق مخيمات النزوح وتضرر مراكز الإيواء والمباني جراء المنخفض يكشفان تداعيات الحصار وتعطيل تنفيذ البروتوكول الإنساني، محمّلة الاحتلال الإسرائيلي و"مجلس السلام" مسؤولية تفاقم المعاناة.

أزمة تتجاوز المنخفض
وتكشف تداعيات المنخفض الجوي عن هشاشة أوضاع النازحين في قطاع غزة، حيث تتداخل آثار الأحوال الجوية مع الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية، ونقص المعدات والوقود، وعدم كفاية مستلزمات الإيواء.
وبينما بدأت الأحوال الجوية بالتحسن وفق تقديرات الدفاع المدني، لا يعني انحسار المنخفض انتهاء الأزمة؛ إذ لا تزال آلاف الأسر تواجه تبعات غرق خيامها وتلف أغطيتها ومقتنياتها، فيما تحتاج المباني المتضررة إلى تقييم هندسي عاجل، وتحتاج المناطق المنخفضة إلى أعمال تصريف وإعادة تأهيل.
وتبقى الاستجابة لهذه التداعيات مرتبطة بتوفير مأوى بديل للعائلات التي فقدت خيامها، وإدخال مستلزمات الشتاء ومعدات الإنقاذ والوقود، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، بما يحد من تحول المنخفضات الجوية المقبلة إلى موجات جديدة من المعاناة الإنسانية.

