حينما يكتب القدر لكَ أن تعيش في عالمٍ بعيدٍ عن صخب العائلة، وأجواء المدينة التي عشتَ وترعرعت فيها، فإن ذلك كمن ينتزع شجرةً من ترابها ليغرسها في موطنِ لم تعهده، تفاصيل كثيرة يعيشها المغتربات لتسرق منهم السعادة، وتهبهن تكاليف إجبارية تُرهق معها الروح والجسد.
تراكم المسؤوليات
لم تكن الشابة شيماء أبو عبده _المقيمة في بلجيكا_ تدرك أن للغربة ضريبةٌ ستسلب من روحها الكثير، وأن الحنين سيبقى رفيق التفاصيل، غربة مغلّظة تعيشها بعد فقدان أمها التي كانت أنيسة لحظاتها في الوطن، وحبيبة الأوقات الجميلة، وملاذها الذي في أحضانه تذوب الهموم.
بعد إنجاب أبو عبده لطفلتها، بدت تتكالب عليها المسؤولية كل يوم أكثر، وعن تجربتها تقول:" لقد تحولت لأم إلكترونية، أتعلم كل صغيرة وكبيرة من اليوتيوب وقنوات الطفل والأمومة، أو بالتواصل مع أخوتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي".
تعلمها المستمر والاتصالات المتكررة لا يعوّض مسافات البعد التي بين أبو عبده وأهلها، وأنها تحتاج إلى من يهتم بها ويؤنسها ويعينها في تربيتها لصغيرتها.
لهفة العائلة
وتضيف:" كم أتمنى أن تحمل معي أمي أعباء الحياة هنا، وكوني حديثة عهد في عالم الأمومة، مررت بأوقات صعبة جداً مع طفلتي، ولم أكن أعلم كيف أتعامل معها في مرضها، والسبيل الوحيد هو البحث عبر الانترنت، وكثيراً ما شعرت بالعجز والبكاء والانهاك النفسي والجسدي".
وترى أبو عبده أنها تغربت من أجل خلق بيئة آمنة اجتماعياً وصحياً واقتصادياً لأطفالها، إلا أن لهفة العائلة وحبها واهتمامها لا يمكن تعويضه مطلقاً في الغربة، وخاصة في ميلاد صغيرتها الأول لتحتفل بها مع نفسها، وتبقى أماكن الأحبة فارغة من وجودهم.
تفاصيل كثيرة تفتقدها أبو عبده في الغربة، كاجتماع العائلة الأسبوعي، ومشاركة اخواتها في حفل زفافهم، وتعاضد الجميع ووقوفهم مع بعضهم البعض بالسراء والضراء.
وتتابع: " حينما أجرى زوجي عملية ما، بقيت برفقته في المستشفى، وقد تأخر بالخروج من غرفة العمليات وجاء موعد اصطحاب ابنتي البعيدة عن المكان، وبقيت عالقة بين زوجي وطفلتي، بكيت حينها كطفلة ضائعة".
اشتياقٌ كبير
واجهت منى حجازي أم لطفلين، _المقيمة في تركيا_ أولى الصعوبات في غربتها "صراع اللغة"، وخشيتها من تداخل اللغتين عند أطفالها، وحاجتها لتعلم لغة الدولة التي تستقر فيها كي تستطيع العيش فيها.
تراكمت على حجازي عظم المسئولية منذ أول يومٍ لها في الغربة، وباتت تعيش ضغطاً نفسياً، نظراً لغياب زوجها في العمل لأكثر من 10 ساعات، واضطرارها لإدارة أي طارئ قد يحصل معها.
وتقول:" الغربة أجبرتني على التعلم الذاتي والاعتماد على نفسي، وتدبر جميع الأمور بنفسي، الأمر الذي ضاعف من خبرتي في الحياة، وأعتقد أن الأم المغتربة تتجاوز عمر وخبرة الأمهات في عمرها بسنواتٍ كثيرة.
تفتقد حجازي في غربتها صوت بابها يُطرق، وصوت أهلها وأحبابها، لرائحة الرمل وصوت السيارات والبائعين المتجولين في حيها، تلك الذكريات تشعل في قلبها نيران الشوق دائماً.
وتضيف:" أقلق دائماً حول نفسي لأنني أعيش هنا بعيدة عن أهلي، وكيف لي أن أثق في الأشخاص الذين هم من كل حدبٍ وصوب، وكذلك أخشى أن يعيش أطفالي وحيدين، وبعيدين عن أجواء العائلة".
فقدان السند
وتشاطر إيناس الترامسي _المقيمة في تركيا_ ذات المشاعر مع سابقتها من الأمهات، وترى أن أصعب شيء في الغربة أن يداهمك المرض أو التعب، ولا تجدين من يخفف عنك ذلك، أو يحمل عنك جزء من المسئولية، عدا عن الاشتياق الذي يشتعل في القلب ولا يهدأ.
وتقول:" ربما إيجابية الغربة تكمن فقط في وجود فرص عمل من الصعب توفرها في بلدك، لكن ضريبتها كبيرة وتنهش من عمرنا الكثير، والبعد عن العائلة وأجواءها لا يمكن تعويضها مهما كثر الأصحاب والمعارف من حولك".
وتبين أن الكثيرين من الناس يعتقدون أنك طالما تعيش في الغربة، فإن جميع أيامك جميلة ولا تشوبها شيء، لكن الحقيقة أن الغربة مُرة والوحدة صعبة جداً".