بالصور ليالي الشتاء في المخيم.. ما أحلى اللمّة حول "كانون النار"

حجم الخط
كانون النار.jpg
غزة - وكالة سند للأنباء

في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غرب مدينة غزة، تبدو البيوت المتلاصقة كأن سقفا واحدًا يجمعها، بجدار ممتد، هناك تتقاسم العوائل الأقدار ذاتها بحلوها ومرّها، ففي الشتاء مثلًا برك الماء في الأزقة أضحت أمرًا اعتياديًا لأهله، وكانون النار (الموقد) واحد من العادات المشتركة في المخيم.

في مساءٍ شتوي ماطر، تجوّلنا في شوارع المخيم وأزقته الضيقة، كانت رائحة النار تتطاير في الهواء، ومعها يعلو صوت الأطفال الفَرحين بطقوس مخيمهم، وتزداد التجمّعات على عتبات البيوت.

ويلجأ سكان قطاع غزة في فصل الشتاء، إلى الطرق التقليدية لتدفئة منازلهم، سيما في ظل انقطاع التيار الكهربائي لساعاتٍ طويلة، وكانون النار" يعد من أبرز هذه الطرق، خاصة في  المخيمات.

وفي مخيم الشاطئ "كوانين النار"، تأخذ بعدَا عائليًا، وفرصة لالتقاء الأصدقاء، من مختلف الأعمار، على عتبات البيوت يتشاركون الحديث، لساعة متأخرة من الليل.

ويُعد مخيم الشاطئ من أكبر مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، على مساحة لا تتجاوز كيلو متر مربع، على شاطئ البحر المتوسط غربي القطاع، ويعيش فيه أكثر من 82 ألفاً.

أبو عبد الناصر وعدد من أصدقائه يجلسون يوميًا في "حواصل بيتهم" حول كانون النار، يتسامرون ويعدّون قهوتهم على "النار"، يقول: "عندما يكون التيار الكهربائي مقطوع، نتجمع من ساعة مبكرة ونتسامر ونُسلى أنفسنا".

يُردف لـ "وكالة سند للأنباء": "أعمل منذ سنوات طويلة في بيع الحطب، حيث أباشر قبل فصل الشتاء بأربعة شهور، لتحضير الحطب وتجفيفه ثم تقطعيه حسب احتياجات السوق".

وتختلف احتياجات المشترين للحطب، وفق أبو عبد الناصر، فمنهم من يشتريه للتدفئة، وآخرين لقوارب الصيد، عدا عن استخدامه في صناعاتٍ مختلفة.

ويشير إلى أن الإقبال على شراء الحطب جيدٌ طوال العام، لكنّ في الشتاء يزداد الطلب، إذ يبيع في هذا الفصل مايزيد عن 50 طن من الخشب.

في بيتِ قريب من بيت "أبو عبد الناصر"، كانت تجلس أم عماد (60 عامًا) على عتبة بيتهم مع أولادها حول "كانون النار" وقطرات المطر تتدحرج من سقف الصفيح على الرصيف، وسجِال النقاشات يشتد بينهم.

تقول أم عماد لـ "وكالة سند للأنباء": "يجمع أحفادي عصرًا الكراتين الورقية والأخشاب الملقاة في الشارع، ثم يأتي أحد الأولاد مساءً ويُشعل كانون النار، وتمتد سهرتنا لساعة متأخرة من الليل".

وتُردف: "تتنوع الأحاديث في جلسات السمر حول كانون النار، أحيانًا نتداول أخبار العائلة، وبالتأكيد لا تخلو أخبار السياسة من نقاشاتنا وسجالنا، لكن يظّل الجو العائلي هو أجمل ما في لمّتنا".

يُقاطع حديثنا علاء، أحد أبناء "أم عماد": "لست من محبي النار لكن ذكرياتنا الشتوية منذ الطفولة مرتبطة بكانون النار ولمّة العائلة، تحت المطر، وها أنا أورّث أولادي هذه الأجواء".

ورغم عدم تفضيل "علاء" لأجواء كوانين النار، إلا أنه يقول: "لدي خبرة، بأنواع الحطب وأميّز أيهم أفضل للتدفئة، فأشجار الحمضيات والزيتون هي الأفضل لإشعال النار، إذ لا يتصاعد الدخان منه عند اشتعاله".

FB_IMG_1577693074468.jpg
 

تستلقي المسنّة "أم معين" على سريرها، "كل يوم تعنّ على بالها كانون النار، ورغم أن دخانه يؤثر على صحتها إلا أنها تُفضّل التدفئة بهذه الطريقة"، يقول ابنها.

ويجتمع أولاد "أم معين" وأحفادها كل ليلةٍ كما هي عادة باقي أهالي المخيم يتسامرون ويتبادلون أطراف الحديث، يتابع لـ "وكالة سند للأنباء": "رغم أن والدتي لا تعي شيء، إلا أن كانون النار تذكره جيدًا وتطلبه في ليالي الشتاء، فهو يُذكرها بجلسات العائلة قديمًا".

ومن ذكريات "أم معين" التي لازالت حاضرة في أذهان أولادها وأحفادها، أنها كانت تستخدم "كانون النار" كبديلٍ عن الغاز في طهو الطعام، وفي جلسات السمر تشوي لهم "الخبز المقرمش، والطماطم والبطاطا والبصل والكستنة".

ويجمع الأحفاد أنه رغم تطوّر الحياة، وانشغال كلٌ منهم بحياته وأعماله، إلا أنهم لا يجدّون ألذ من شاي النار، الذي كانوا يرتشفونه في ليالي البرد مع عائلتهم الكبيرة، المليئة بـ "الحب والدفئ" كما يصفون.

FB_IMG_1577693092876.jpg
 

وفي مشهدٍ آخر لـ "كوانين النار" في المخيّم، فتية يجمعون الكراتين والأخشاب الملقاه على الطريق، وحبّات المطر تُداعب طفولة أرواحهم، يقول محمد (12 عامًا): "بعد صلاة المغرب، نُضرم النار ونجتمع هنا"، بالإشارة إلى خيمة متهالكة عند أطراف المخيم.

ويُكمل: "أنا من أشعل النار دائمًا، والباقي يجلبون الخبز والبصل لنشويه هنا"، عن ماذا تتحدثون وأنتم حول النار؟ يرد: "قصص مررنا بها خلال يومنا، ونِكات، وقصص جحا"، ثم راح الصبية في ضحاتهم خجلًا.