بَائعُ الكَعْك "العم محمود".. مكافح يُلاحق "رزقه"

حجم الخط
بائع الكعك 2.jpg
غزة - وكالة سند للأنباء

كل صباح.. في الميناء البحري غرب مدينة غزة، رجل ستيني يلفّ على نفسه جاكيتًا صوفيًا، ويتكوَّر حول نفسه من البردِ، يسير بخطى ثقيلة، يُلقى بنظراته على الواقفين هنا وهناك، بصوتٍ خفيض، يُنادي على "كعك السُمسم".

وأنت تستمع لقصّة العمّ "محمود" ستتذوق مذاقًا مختلفًا لـ "كعكة السمسم"، فمع كل قضمة تأكلها، تشعر بتعب مغموس بالكّعك، فهذا الرجل الذي اشتعل رأسه شيبًا، لا زال يجوب الشوارع صباحًا حاملًا الأكياس على كتفيه المتقوسين طالبًا رزقه.

محمود ريحان، رجل ستيني، أَلفته ميناء غزة منذ سنوات طويلة، تحدثنا معه بإحدى الصباحات الشتوية الباردة، لنستمع لـ "قصته"، صوته الضعيف بالكاد يفهمه السامع، لكنّ حينما ينطق بعبارات الرّضا والحمد، يبدو الصوت طبيعيًا متناغمًا.

ينطلق العمّ "محمود" منذ ما يزيد عن الـ 33 عامًا، فجرًا من بيته الكائن بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، قاصدًا المخابز، يشتري كعك بالسمسم، لكنّ بشرط أن تكون "مخبوزة للتو"، ثم يحمل الأكياس يجوب في الشوارع قاصدًا رزقه.

عادةً لا يُنادي على الكعك بصوتٍ عالٍ، كما باقي الباعة المتجولين، فصوته ضعيف، كما أنه يُعاني من صعوبة في النطق، يقول لـ "وكالة سند للأنباء": "ميناء غزة بدأت أقصدها في السنوات الأخيرة، وقبل ذلك كنت أجوب الشوارع وأبواب المساجد فجرًا والأسواق الشعبية".

ويحمل على كتفيه ما يزيد عن 100 كعكة يوميًا للبيع، أحيانًا تنفذ الكمية، وفي مراتٍ أخرى يعود بما تبقى لعائلته، فهو يعيل عشرة أبناء.

بائع الكعك.jpg

كانت عيون العمّ "محمود" الخضراوين، تتلهف لأي عابر يقصده، إذ أن بيع الكعك هو مصدر رزقه، يُكمل حديثه: "قديمًا كان الأوضاع أفضل، والناس يشترون الكعك من الباعة المتجولين، فالمخابز كانت محدودة ولا يقصدها الناس كثيرًا".

أما في الوقت الحالي، وفق حديثه، فشراء "كعك السمسم" مرتبط بتوافد الناس في الشوارع وعلى الميناء.

في الأيام الماطرة هل تأتي هنا؟ (سألته)، "الناس لا تأتي هنا في الصباحات الشتوية الماطرة، لذا ألتزم بيتي، منتظرًا الفرج، واعتدال الجو" (أجاب العمّ محمود).

تحوّلت الكلمات في فمه لضحكات، عندما سألته عن زبائنه، فالناس جميعًا على اختلافهم اجتماعيًا ووظيفيًا يقفون له ويتشابهون، عند مرورهم من الميناء أو أحد الشوارع التي يقصدها العمّ "محمود" أثناء بيعه لـ "كعك السمسم".

ولم يتذمر بائع الكعك من مهنته، وهو مستعد دائما لمواصلة العمل حتى لو بمردود قليل، المهم أن لا يبقى رهين جدارن منزله، يُتابع: "الظروف صعبة ومتطلبات الحياة كثيرة، لذا فالاستسلام مرفوض".

"الحسبة" هو المكان المخصص لبيع السمك بأنواعه في ميناء غزة، وهو أيضًا أول الأماكن التي يقصدها العمّ "محمود"، لكنّ ليس لشراء السمك، وإنما "لبيع أكبر عدد ممكن من الكعك، لكن الناس يأتون هنا لشراء السمك، وليس من الكعك بسمسم" خرج قوله هذا على شكل حُزن.

ويُشير إلى أن بيع الكعك، عمل مُتعب، فالبائع يظّل يجوب الشوارع والأزقة لساعات طويلة، لتحصيل لقمة العيش.

وفي سؤالي، هل في هذه المهنة ربح؟، رد محمود ريحان: "الربح لا نحققه غالبًا، فممكن تحصيل ٢٠ شيكلًا، وأحيانًا أكثر، وفي كثير من المرات لاشيء".

بالتأكيد أن العمّ "محمود"، ليس بائع الكعك الوحيد في قطاع غزة، لكنّ عندما تقترب منه لتسمع  حكايته وتَلمس معاناته وكِفاحه من أجل "لُقمة العيش"، سيكون الأمر مختلفًا والمذاق أيضًا.