بالصور "أفران الطين" تراث عاد مجددا لبيوت الغزيين

حجم الخط
31a5704f-05b6-4cc8-a4f5-98bf9055b2ff.jpg
غزة-وكالة سند للأنباء

بيديها المجعدتين ووجهها الذي صبغت أشعة الشمس ملامحه، تخلط الحاجة السبعينية لطيفة النجار الطين بالقش والماء؛ لتشكل عجينة حمراء بيدها وتبدأ في صناعة "أفران الطين".

السبعينية التي تقطن في المنطقة الشرقية من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، اعتادت الاستيقاظ كل صباح لعملها في صناعة أفران الطين، فهي منذ 30 عاما تمتهن صناعتها وبيعها، لتشكل مصدر رزقا لها ولعائلتها.

تبدأ الحاجة لطيفة بتحضير الطين الأحمر وأكوام القش، تمهيدا للشروع بصناعة الأفران، وفي قدر بلاستيكي كبير تضيف الطين، ثم تضع القش تدريجيا بيديها وترش الماء بحذر؛ كي تصنع عجينة طرية من هذا الخليط، لتساعدها على تشكيل الأفران.

وبعد تجهيز الخليط، تبدأ ببناء تلك الأفران بأشكال وأحجام مختلفة، تلبية لرغبة المشترين الذين يتوجهون لها خصيصا بعد براعتها في صناعتها منذ سنوات.

وتستعين السبعينية بقواعد من الأسمنت والحديد، لتشكل قاعدة للأفران، تساعد في نقلها وإكسابها صلابة أكبر.

وبعد أن تنتهي من صناعتها وإعدادها بشكل كامل، غير مستعينة بأحد لمساعدتها، تترك الحاجة تلك الأفران تحت أشعة الشمس لأيام كي تجف وتصبح جاهزة للبيع والاستخدام.

وتعد صناعة الأفران للسبعينية النجار مصدرا أساسيا لإعالة أسرتها، كي تتغلب على ظروف الحياة الصعبة التي يواجهها سكان قطاع غزة، حيث تعلمت تلك المهنة من والدتها وجدتها اللاتي برعن بصناعتها وطهي الطعام فيها.

وتتباين المدة التي  تستغرقها الحاجة لطيفة في صناعة الأفران، ففي فصل الصيف وتبعا للأجوال الجوية، قد تستغرق صناعة الأفران من ثلاثة إلى أربعة أيام.

أما في فصل الشتاء، فتطول المدة قليلا لتصل إلى أسبوع، نظرا لبرودة الجو، فقد يحتاج الفرن الواحد إلى عدة أيام تحت الشمس حتى يجف ويصبح جاهزا للاستخدام.

وتقول النجار " أبيع شهريا عشرات الأفران، وقد تزايد الطلب عليها مؤخرا نظرا لانقطاع التيار الكهربائي وعودة أزمة الغاز مجددا للقطاع".

ويلجأ سكان قطاع غزة وخصوصا من لديهم مناطق مفتوحة، لاقتناء أفران الطين، للمساعدة في الطهي، وترشيد استخدام الكهرباء والغاز، في ظل تردي الظروف  الاقتصادية لدي العديد من الغزيين.

d6af3fc4-13fe-4858-b980-e71ec25f5a77.jpg

وفي ذات المنطقة ببلدة خزاعة على الحدود الشرقية لخانيونس، تتعاون الفتاة مي قديح مع شقيقتها في إنضاج وخبز العجين، في فرن طيني اقتنته عائلتها من سنوات، بعد تجهيزه وإعداده.

تجمع مي الحطب والقش، وتلقيه داخل زاوية مخصصة له في الفرن، بينما تتناول شقيقتها، أقراص العجين المعدة جيدا وتلقيها داخل الفرن بعد أن اشتغلت النار وارتفع اللهب.

تقلب مي بسيخ حديدي أرغفة الخبر، لتتفحصها وتتأكد من نضوجها جيدا، وما إن تصبح ذهبية اللون، حتى تخرجها بذات السيخ، لترصها خارجها تمهيدا لإنضاج فوج آخر من الأرغفة.

تقول مي وعيناها ترقبان الفرن خشية  إحراق بعضها "ساعدنا هذا الفرن على التغلب على مشكلة انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، كما أنه يعد مورا لاستهلاك الكهرباء والغاز باهظا الثمن".badf29c7-0305-4194-8bbe-d45956bf625f.jpg

وتضيف " يمتاز الخبر والطعام المعد في تلك الأفران بنكهة لذيذة تختلف تماما عن نكهته المعدة في الأفران العادية".

ولطقوس وجبة الإفطار شتاءً، نكهة خاصة، حيث تعد مي ونساء عائلتها أقراص الزعتر والجبن على الفرن، ويتحلق الجميع حوله بحثا عن الدفء.

ويعتبر الكثير من الغزيين اقتناء فرن الطين شكلا من أشكال إحياء التراث الفلسطيني الأصيل، إذ تحرص أغلب العائلات في المناطق الريفية على تخصيص مكان لتلك الأفران فور الانتهاء من تأسيس وبناء منازلها، بحيث يكون الفرن بعيدا عن الأمطار في الشتاء والتي من الممكن أن تتلفه.