تعذيب الأسرى .. سياسة إسرائيلية ممنهجة بغطاء قضائي

حجم الخط
محمد منى – وكالة سند للأنباء:

لم تكن سياسة سلطات الاحتلال في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين لانتزاع الاعترافات منهم حديثة، بل هي قديمة وممنهجة، نفذتها أذرع الاحتلال المخابراتية والأمنية على طوال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ويسعى جهاز المخابرات الإسرائيلي" الشاباك"من اتباع هذه السياسة إلى تحصيل نتائج سريعة ودقيقة تساهم في وقف أي تحرك أو نشاط يمكن أن يمس أمنه بخطر في المستقبل، أو لانتزاع معلومات تفيد بمن يقف وراء عمليات أصابت وقتلت إسرائيليين.

وعلى الرغم من ادعاء دولة الاحتلال الالتزام بالقوانين الدولية التي تكفل حماية حقوق الإنسان والأسرى، إلا أن سلطاتها وبحسب مؤسسات حقوقية مختصة في شؤون الأسرى ما زالت تمارس التعذيب بشكلٍ ممنهج وبوتيرة أعلى وأشد أحيانا.

القنبلة الموقوتة

مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، ذكرت بأن المحكمة العليا الإسرائيلية تطرقت للتعذيب من خلال سلسلة متلاحقة من قراراتها.

 في عام 1999، لم تمنع المحكمة التعذيب بشكلٍ مطلق، وعلى الرغم من أن القرار ادعى أن التعذيب ممنوع في القانون الإسرائيلي، إلا أنه ترك ثغرة جدية سمحت لـ "الشاباك" باستغلالها كفرصة لاستمرار ممارسة التعذيب بصورة منهجية دون مسائلة أو محاسبة.

وذكرت "الضمير" أن المحكمة الإسرائيلية فتحت الباب للمحققين بتنفيذ هذه السياسة بأنهم اضطروا لاستخدام الأساليب الخاصة في حالة "القنبلة الموقوتة".

و"القنبلة الموقوتة" هو مصطلح ابتكره الاحتلال، أي أن المعتقل في حالة احتفاظه بمعلومات إن لم يكشفها قد تفضي بالتسبب بقتل آخرين فهو بمثابة قنبلة قد تنفجر في أية لحظة.

في عام 2018 جاءت قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية لتؤكد على ذلك، بإعطاء تفسير فضفاض أكثر لحالة "الضرورة".

واستخدمت المحكمة التوضيح بأن الخطر ليس بالضرورة أن يكون فورياً، لتزداد على إثر ذلك ممارسة التعذيب بشكل ملحوظ، لتشمل أساليب عنيفة جداً نفسياً وجسدياً لا تختلف عما ادعت المحكمة منعه في قرارها عام 1999.

أشكال التعذيب

وتستخدم سلطات الاحتلال أساليب عدة في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين نفسياً وجسدياً، كالهزّ العنيف، والشبح على الكرسي الصغير، وضع الكيس على الرأس، الموسيقى الصاخبة، بالإضافة إلى قلع الأظافر، وحرمان من النوم وزيارة المحامي، وغيرها.

وتشير معطيات نشرها نادي الأسير الفلسطيني إلى أن 95% من المعتقلين يتعرضون للتعذيب، منذ لحظة الاعتقال، ويمتد ذلك في التحقيق، وحتى بعد نقلهم للمعتقلات العامة.

ووفقاً لهذه المعطيات فإن 73 شهيدا سقطوا في زنازين التحقيق منذ العام 1967 نتيجة للتعذيب الذي تعرضوا له خلال فترة التحقيق، من أصل 222 شهيدا سقطوا داخل سجون الاحتلال بذات الفترة.

غطاء قضائي

وتؤكد مديرة مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، سحر فرنسيس، أن التعذيب المستمر في مراكز التحقيق وسجون الاحتلال يتم بشرعية من القضاء الإسرائيلي.

وتقول فرنسيس لـ "وكالة سند للأنباء"، أن المؤسسة تتقدم بشكل مستمر بشكاوى لقسم التحقيق في وزارة العدل الإسرائيلية للاحتجاج على تعرض أسرى فلسطينيين للتعذيب.

وتبين أن محامي الأسرى الذين تعرضوا للتعذيب، يتقدمون بشكاوى لقضاة المحاكم التي يُعرضوا أمامها، لتُعقد ما تسمى محاكم مصغرة يتم خلالها الاستماع للبينات والادعاءات التي تثبت تعرض الأسرى للتعذيب، والتأكيد على أن اعترافاتهم أخذت نتيجة له.

وحول تعاطي محاكم الاحتلال مع هذه الشكاوى، تشير فرنسيس، أنه نادراً ما يتم التعاطي مع مثل هذه الشكاوى، وأن هذه المحاكم في إسرائيل تشكل غطاء وشرعية للتعذيب الواقع على الأسرى.

وتضيف فرنسيس أن قرارات المحاكم التي تمنع لقاء المعتقل بمحاميه تُظهر تكامل الأدوار ما بين المحققين والقضاة فيما يتعلق بإخفاء جرائم التعذيب التي ارتكبت بحق المعتقلين.

وتذكر أن أوامر المنع أدت إلى تفرّد محققي الاحتلال بالمعتقلين واستخدام كافة الأساليب لتعذيبهم والتنكيل بهم، دون توفر إمكانية لمحامي الدفاع رصد وتوثيق آثار التعذيب أثناء فترة التحقيق وملاحقة هذا الانتهاكات.

كما وتحول دون تمكنه من تقديم الاستشارة للمعتقل في الفترة الأهم في الاعتقال_ كما تقول الحقوقية_.

وعن إمكانية ملاحقة المحققين الإسرائيليين ومحاسبتهم، بينت أن قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية جعلت هناك صعوبة في ملاحقة المحققين الذين يرتكبون جرائم التعذيب قانونياً، ومنحتهم حصانة ضد أي إجراء يمكن أن يُتخذ بحقهم.

وتتابع مديرة "الضمير" بأن المؤسسة تلجأ للمحاكم ولجهات حقوقية دولية، وتضع بين أيديها المعطيات التي تتوصل إليها، فيما تُضمن هذه الجهات ما تحصل عليه من معطيات ضمن تقاريرها الدورية.

ويأتي ذلك في ظل منع المقرر الخاص بموضوع التعذيب التابع لمحكمة الجنايات الدولية من الدخول لإسرائيل التي تحفظت سابقا من التوقيع على الاتفاقية الخاصة بموضوع التعذيب.

"حناتشة" ضحية التعذيب

في حالة استثنائية تمكنت مؤسسة "الضمير" من الحصول على صور تظهر آثار التعذيب والكدمات على جسد الأسير وليد حناتشة (51 عاما)، من مدينة رام الله بالضفة الغربية، بعد أن طلب محاميه من القاضي العسكري التحقق من الوضع الصحي للأسير ورصد التعذيب.

وأصدر قاضي المحكمة قرارا بالتقاط صور لآثار التعذيب الذي شاهده بنفسه وتقديمها للمحكمة.

وقالت زوجة الأسير حناتشة، إن زوجها اعتقل في الثالث من شهر أكتوبر/تشرين أول من العام الماضي، بعد الاعتداء عليه وتخريب منزله، ونقل لمركز تحقيق المسكوبية بالقدس، حيث بدأ التحقيق معه عسكرياً منذ لحظة وصوله.

وبينت في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء"، أن زوجها تعرّض للتعذيب الجسدي الشديد خلال جولات التحقيق، كالشبح بأساليب مختلفة، والضرب العنيف على مختلف أنحاء جسده، بالإضافة للحرمان من النوم لأيام.

وذكرت بأن زوجها تعرض كذلك لتحقيق نفسي شديد، لم يكن أثره بأقل من التعذيب الجسدي، حيث اعتقلت ابنتهم الطالبة الجامعية ميس لثلاثة أيام، وأُحضرت لغرف التحقيق للتأثير على نفسيته.

 كما وعرض عليه المحققون صور لأفراد عائلته ولجيش الاحتلال خلال أخذهم مقاسات منزله تمهيداً لهدمه.

وأشارت حناتشة أن التعذيب الجسدي لزوجها ترك آثاراً على كافة أنحاء جسده، ويعاني حتى الآن من تبعات هذا التعذيب، حيث يشعر بألم شديد في قدميه وظهرة وعينه، فيما تماطل إدارة السجون في تقديم العلاج المناسب له.

ولفتت إلى أن زوجها الذي اعتقل سابقا عدة مرات لمدة ست سنوات، يتمسك بالشكوى الذي تقدم بها محاميه ضد التحقيق والتعذيب الذي تعرض له، وأنه مصّر على رفع هذه الشكوى لكل المحاكم والمؤسسات الدولية لمحاسبة المحققين الإسرائيليين.