في ظل كورونا

كيف بدت تجربة "التعليم عن بعد" في فلسطين؟

حجم الخط
التعلين عن بعد
يوسف فقيه - وكالة سند للأنباء

مع دخول إغلاق المدارس والجامعات الفلسطينية للشهر الثاني، بسبب جائحة كورونا التي ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف مناحي الحياة في الأراضي الفلسطينية، وتسببت بتعطيل المؤسسات التعليمية، وإجبار الطلبة على المكوث في منازلهم، لم يجدوا خياراً أمامهم سوى التوجه للتعليم الإلكتروني "التعليم عن بعد".

لجأت المؤسسات التعليمية في فلسطين إلى اعتماد أساليب من التعليم الإلكتروني في محاولة للتغلب على غياب الطلبة، وضياع آلاف الحصص المدرسية، وتأخر طلبة الجامعات عن التخرج، وسط جدل واضح بجدوى وإمكانية توفر البيئة التحتية للتعليم عن بعد.

مختصون وتربويون اتفقوا على أن الانتقال للتعليم عن بعد كان مفاجئا ودون أي تخطيط مسبق، لكنه مهم جداً في ظل هذه الأزمة، كونه الخيار المتاح، تباينت الآراء حول نجاعة هذا النمط من التعليم في المجتمع الفلسطيني والعربي.

تعلم تفاعلي

الناطق باسم وزارة التربية والتعليم صادق الخضور، يرى أن فلسفة الوزارة باعتماد التعلم عن بعد على أنه تعلم تفاعلي، لإدراكها لبعض المعطيات التي أكدت على التباين في مستوى ومردود هذا النوع من التعلم على الطلبة، لاعتبارات تقنية وخدمة الإنترنت، وعدم توفرها عند جميع الطلبة، وكذلك الفروق الفردية بينهم.

ورغم تأكيد الخضور على الإشادة بمبادرات المعلمين لابتكار أساليب للتعليم عن بعد، لكن هذا النوع من التعلم رغم أهميته كرافد بالعملية التعليمية لا يشكل بديلاً عن التعليم الوجاهي، ولن يخضع الطلبة فيه للتقييم حال عودتهم للمدارس.

وبين الخضور لـ "وكالة سند للأنباء" أن الهدف الأساسي من التعليم عن بعد تحقق بالإبقاء على التماس بين الطلبة والمادة التعليمية، والتواصل بين الطلبة والمعلمين دون أن يعني ذلك بديلاً عن التعليم في الحصص، ولا نريد أن نحمل هذا النوع من التعليم في ظل هذه الظروف أكثر مما يحتمل.

ولفت الى أن الازمة الحالية غير مسبوقة من حيث الامتداد الزماني والمكاني، وموضوع التعليم يثار في كل دول العالم، وسيكون أحد أبرز المخرجات التي سيتم الحديث عنها حال انتهاء الازمة التي أحد إفرازاتها إن الأنظمة التعليمية ستستخلص العبر عبر تدخلات فاعلة.

مبادرات تعليمية

مؤسس منصة التعليم عن بعد "I Teacher " عبدلله قدح، وبعد إعلان الحكومة الفلسطينية عن حالة الطوارئ وإغلاق المدارس، وضع المنصة التعليمية تحت تصرف وزارة التربية والتعليم، وفتحها بشكل مجاني أمام الطلبة للاستفادة من المواد التعليمية.

ويوضح قدح في حديث لـ "وكالة سند للأنباء" أن "I Teacher " أول منصة تعليم الكتروني توفر المنهاج الفلسطيني من خلال فيديوهات مسجلة، عبر معلمين معتمدين من وزارة التربية والتعليم، والتي تشمل مواد للمرحلة الثانوية ومدققة للمحتوى، وتحتوي على 8500 فيديو مسجل.

ويشير إلى أن الطالب يستطيع الدخول للمنصة عبر تسجيل معلوماته البسيطة، وتظهر كل المواد المسجلة لكل صف حسب المنهاج الفلسطيني، ويشرح له الدرس واختبارات ودروس خارجية، وهو متوفر على موقع الكتروني وتطبيقات عبر الهواتف المحمولة.

ويرى قدح أن لهذه المنصات أهمية كبيرة لاستمرار العملية التعليمية، والطلبة اليوم بحاجة للاطلاع على المواد المسجلة ليستطيعوا العودة لها في أي وقت.

وأبدى تحفظه على التعليم المباشر كونه لا يمكن تغطية كل المواد حيث أن البنية التحتية وجودة الإنترنت لا يستطيع تحمل برامج الحصص المباشرة.

تباين في الجامعات

جامعات فلسطينية لجأت هي الأخرى إلى اعتماد أسلوب التعليم عن بعد عبر حصص دراسية يقدمها المدرسون من خلال تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، وسط تباين آخر في الآراء حول اعتماد تقييم دقيق للطلبة، أم اعتماد تقييم "ناجح وراسب".

عميد كلية الآداب في جامعة فلسطين الأهلية في بيت لحم عزيز خليل، يبدي ارتياحه من نظام التعليم عن بعد وسط تفاعل كبير من الطلبة، ورغبة في تجاوز الأزمة التي نجمت عن انقطاع الدراسة في الجامعة، حيث إن عددا منهم سيتخرج هذا الفصل.

وينشغل خليل في تحضير درس لطلبة الجامعة في آداب اللغة العربية حيث يقدمه بشكل يومي عبر برنامج "زوم" لعقد اجتماع صوتي أو مرئي على الإنترنت، وكذلك التواصل بين الأشخاص، وعقد اللقاءات مع الطلبة.

ويشير خليل في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" إلى وجود بعض المعيقات لدى الطلبة والمدرسين في الجامعة تتعلق بضعف الانترنت، والذي يتم التغلب عليه في ظل مرونة يبديها المعلمين خلال اللقاءات.

ويوضح أن الجامعة بصدد تعيين اختبارات للطلبة خلال أيام، وسيتم منح العلامات بناء على تقييم اختباراتهم وتفاعلهم في المحاضرات، وأن الحصص الدراسية مستمرة بالجامعة في التخصصات الأدبية والعملية، وبينها تخصصات العلاج الطبيعي والتصوير الطبي عبر ذات التقنية.

تجربة بدون تخطيط

من جانبه، يشير الخبير التربوي والتعليمي جودت صيصان إلى الدور المحوري للتعليم عن بعد في العالم منذ سنوات طويلة، في حين أن الأزمة الأخيرة بعد انتشار وباء كورونا فرض على فلسطين والدول العربية بتسريع الدخول لهذا الشكل من التعليم.

ويؤكد الخبير صيصان في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء" على أن هذه التجربة في فلسطين ليست نتاج تطور طبيعي، ولم تأتِ ضمن تخطيط وتدريب مسبق، بل إن الظروف دفعت صوب هذه الشكل من أشكال التعليم.

ويبين أنه وحتى الآن من الصعب تقييم النتائج، لكنها أفضل خيار ممكن في ظل الوضع القائم رغم كل العقبات الموجودة.

ويشدد على أن التعلم ما بعد كورونا لن يكون كما قبلها، وسيستمر توظيف التكنولوجيا والتعليم الإلكتروني ولو في إطار ضيق في التعليم، وهنا دور الجهات الحكومية لاستثمار التجربة ليكون الأداء أفضل مستقبلاً.

خلل بقيم التعليم

ولا ينفي صيصان عدم وجود بيئة حاضنة للتعليم الالكتروني، حيث أن بعض المعلمين والأهالي والطلبة غير مهيئين لهذا الشكل، بالإضافة إلى المعيق الأساسي بعدم أخذ التعلم كقيمة مهمة، وضعفه لدى الطلبة مقارنة بطلبة آخرين حول العالم.

ويلفت إلى أن المتابعة بشأن الحصص عبر برامج التعليم الالكتروني، تظهر فقدان الجدية وعدم توفر الحرص من الطلبة والأهالي على المتابعة بالتعليم الالكتروني، رغم أنه كان يغيب أحياناً في الحصص الوجاهية.

وينوه إلى أنه تعزز نمط التفكير لدى الطلبة خلال السنوات الماضية بتنفيذ الأوامر والإجبارية في التعليم من أجل النجاح في الامتحان، بعيداً عن المبادرة والفعالية، وهذا معيق أساسي ولا يخدم فكرة التعليم الالكتروني.

ويشدد التربوي صيصان إلى أن التعليم الالكتروني يحتاج من المعلم سواء في الجامعة أو المدرسة إلى إعادة منهجية أسلوبه التدريسي، حيث لا يمكن أن يقدم محاضرة بالفيديو لمدة ساعة أو ساعة ونصف ويتابعه الطلبة بشكل جيد.

وحول تجربته في تدريس مساق ريادة الأعمال يشير إلى أنه يعتمد فيديوهات قصيرة للمحاضرة لا تتجاوز مدتها 7 دقائق في محاولة لخلق أجواء اندماج ما بين المادة التعليمية والمعلمين والطلبة، بعيداً عن أجواء الحصص بالمدارس والمحاضرات في الجامعات.

ورغم ذلك يرى صيصان بعد شهر من انطلاق فكرة التعليم الإلكتروني في بعض الجامعات أن الأمر بات مرتبطا بمهام وواجبات أمام الطالب وعملية تقييم، ولا بد للطالب أن يركز لكي يجتاز المواد والفصل.

وينوه إلى أن أي عملية تعلم لا يتوفر لها تقييم ولا متابعة للتفاعل، فإن محفزات الاستمرار ستكون ضعيفة.

ما بين التشدد واللامبالاة

من جانبه، يعدّ المختص بالشأن التربوي مخلص سمارة، أن إعلان وزارة التربية والتعليم عن هدف التعليم الإلكتروني إبقاء الطلبة على تواصل مع المنهاج والبيئة المدرسية، وليس بديلاً عن التعليم النظامي الوجاهي لاقي ردود فعل مختلفة من الطلبة وأهاليهم والمعلمين.

ويلفت سمارة في حديث لـ"وكالة سند للأنباء" إلى أن البعض أخذ موضوع التعليم الالكتروني على محمل الجد ضمن أجواء تنافسية مع طلبة آخرين وجدية زائدة من بعض الأهالي وضغط اختبارات من المعلمين وهذه فئة قليلة.

ويتابع: "وهناك فئة ثانية، تعاطت مع رسالة التربية والتعليم من التعليم الإلكتروني بشكل جيد دون تكلف".

أما الفئة الثالثة من الطلبة رفضت التعاطي الجدي مع رسالة التربية والتعليم من التعليم الالكتروني، سواء بحالة الفتور من التجاوب كونها حصص دون رقابة، وبدون رصد تقييم وعلامات.

مقترحات جديدة

وشكل عدم توفر قدرات تقنية لدى بعض الأهالي من أجهزة حواسيب، وانترنت سريع للحصول على النتائج المرجوة من التعليم الالكتروني، عدا عن الذهن الاجتماعي والنفسي المتعلق بوباء كورونا الذي أشغل عن تقبل فكرة التدريس بحد ذاتها.

ويقترح مخلص تعزيز التعليم عن بعد لطلبة المدارس بطرح المناهج على شكل مسابقات إلكترونية لتشكيل حالة تفاعل بين الطلبة والأهالي، واستخدام الوسائل الترفيهية والمسابقات في التعليم، كإعلان مسابقات لأفضل رسومات، وأفضل عمل مسرحي عن كورونا.   

ويتوقع التربوي مخلص أنه ورغم حالة الإحباط إلا أن ثمارا إيجابية وردود فعل إيجابية تربوية وتعلمية ستتحقق من خلال فكرة التعليم الإلكتروني لحساب تعزيز المفهوم لدى الطلبة، على حساب منهجية الحفظ والبحث عن العلامة لدى أغلب الطلبة.

معطيات

ووفقاً لإحصائيات وزارة التربية والتعليم وجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني بلغ عدد الطلبة في المدارس للعام الدراسي 2019/2018، بلغ حوالي مليون و282 ألف طالباً وطالبة، وعدد المعلمين بلغ 57,458 معلماً ومعلمة.

فيما عدد الجامعات والكليات الجامعية وكليات المجتمع المتوسطة في فلسطين في العام الدراسي 2019/2018 بلغ 50 (33 في الضفة الغربية، و17 في قطاع غزة)، بالإضافة إلى جامعتين للتعليم المفتوح: جامعة القدس المفتوحة ولها 17 فرعاً في الضفة الغربية، و5 فروع في قطاع غزة والجامعة العربية المفتوحة في رام الله.

فيما بلغ عدد خريجي هذه الجامعات والكليات 46 ألف خريج وخريجة وذلك للعام الدراسي 2018/2017.

وتفيد بيانات الإحصاء الفلسطيني بأن أكثر من ثلث الأسر الفلسطينية لديها جهاز حاسوب، وأن حوالي 65% منها لديها نفاد للإنترنت في المنزل، عدا عن الإنترنت في الهواتف الخلوي، وأن أكثر من 80% من الأفراد يمتلكون المهارات الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk