بالصور عمال غزة.. أجور زهيدة ومعاناة تتضاعف

حجم الخط
سلسبيل أبو سمعان -وكالة سند للأنباء

بثمنٍ بخس شواكلَ معدودة، يعمل بلال طه زعرب (32 عامًا) من ذوي الإعاقة السمعية، مزارعًا متنقلًا بواسطة دراجته الهوائية للوصول للدفيئات الزراعية، بحثًا عما يسد رمق أطفاله الأربعة.

لم يملّ أبدًا من عثرات الطريق الرملي، الذي يسير فيه لساعات، متحملًا أشعة الشمس الحارقة التي تلفح رأسه.

تنقل زعرب بين عشرات الأراضي الزراعية في منطقة المواصي "المحررات"، الواقعة إلى الغرب من مدينة خانيونس بكل جدٍ ونشاط ويدٍ محبة لكسب الرزق الحلال.

حياة أطفاله مرهونة باتصال

يعدّ بلال الأيام لعل مكالمة هاتفية تنعشُ وضعه الاقتصادي الصعب.

زعرب لم يتمكن من الحديث معنا بسبب إعاقته، وتقول زوجته: "زوجي لا يترك الهاتف، على أمل الاتصال به، من أصحاب الأراضي الزراعية".

وتفيد زوجة بلال في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء"، أن زوجها يعمل مقابل 5 شواكل للساعة، بمعدل 4 ساعات في اليوم.

عمل شاق وتفاصيل متعبة

ومن جنوب القطاع ننتقلُ إلى شمالِه تحديدًا على طريق شارع صلاح الدين، في مدينة بيت حانون.

 تحاور مُراسلة "وكالة سند للأنباء" العامل في "كسارة" أكرم البسيوني (33 عامًا).

ويقول الشاب: "أعمل منذ 10 سنوات في هذا المجال، ويقع على عاتقي مسؤولية العناية بعائلتي، مستعينًا برفيقة ساعاتي الطويلة والشاقة (المَهَدَّة، والتي تزن 10 كيلو غرام)".

يشير إلى هذا الأمر تسبب له بمشاكل صحية كثيرة، أولها الغضاريف ومشكلات تنفسية أخرى ناجمة عن الغبار الذي يستنشقه.

ويستخدم البسيوني وزملاؤه، معدات كثيرة لهدم تلك الأبنية المتهالكة، والتي تحتاج لإعادة إعمار من جديد.

ويضيف: "جرحت أيدينا من حمل أطنان الحصمة، وتقوست ظهورنا لحملنا خلال اليوم الواحد أكثر من 2000 حجر بلوك".

ورغم الأجر الزهيد يحاول "البسيوني" العمل المتواصل للمحافظة على مصدر رزقه الوحيد في ظل ندرة فرص العمل في القطاع المحاصر محدود الإمكانات.

ويستغل كثير من أرباب العمل الحصار المفروض على قطاع غزة بالتضييق على العمال من خلال زيادة ساعات عمل الموظف، والأجر الزهيد، إضافة لعدم وجود ضمانات صحية أو تأمين للعاملين في المنشآت.

الشاب عبد الله أحمد (20 عامًا) يفيد بأنه يعمل 12 ساعة متواصلة في أحد المحلات التجارية مقابل 20 شيكلًا تحت الضغط ومعاملة مستفزة.

أثناء حديثه ينظر الشاب إلينا وتبدو عليه ملامح الحيرة والارتباك وربما العجز؛ لا يعرف الشاب الفلسطيني متى سيدخل حياة مستقرة ومتى سيصطحب رفيقة عمره إلى منزله الصغير.

ويتساءل أحمد: "متى سأتزوج وأكون أسرة؟ وصاحب العمل يدفع لي جزءًا من الأجر، ويقول إنه يدخر الباقي لي".

194475540_820857702126033_8634248799094859577_n.jpg
 

ماذا يقول أرباب العمل عن تدني الأجور؟

يقول المزارع صالح زعرب: "يتعرض الكثير من العاملين في المناطق الزراعية الواقعة في منطقة المحررات، ذات المساحات الشاسعة، لظلمٍ كبير".

وبيّن: "يستغل الكثير من أصحاب الأراضي هناك، حاجة العاملين لكل دقيقة عمل، وخوفهم من خسارة مصدر رزقهم المؤقت".

ويضيف أثناء حديثه مع مراسلة "وكالة سند للأنباء": "هناك كومسيون "تخفيض" على الأجر من خلال مشرف العمال، وأغلبهم يعتمد نظام الـ 5 شواكل للساعة".

وفيما يتعلق بصعوبات العمل، أجاب: "الأجور واحدة منهم، وهي غير مرضية، لكل العاملين والعاملات سواء في حصد المحاصيل، أو التسميد والتعشيب".

وأضاف: "لا يحصل العمال على أجر مناسب يتماشى مع الجهد المبذول، وذلك لعدة أسباب منها تدني أسعار المنتجات، البطالة الزائدة وغياب الرقابة الحكومية على المزارعين المحتكرين للأيدي العاملة".

واستغنى زعرب عن عدد كبير من العمال، مستعينًا بإخوته، وهو عادةً يحتاج كحد أدنى لثلاثة عمال ثابتين، و4 متغيرين بشكل موسمي.

وأشار: "أصبحنا ضحية الظروف الواقعة علينا من التزامات كثيرة ما بين مصاريف تشغيلية وشخصية، وهذا يوثر على الدفع للعمال إما بالتأجيل أو الخصم عليهم".

194137363_928966814623414_5160108342823873739_n.jpg
 

المعدات 

من جهته، يقول المقاول في مواد البناء، أبو عصام صيام: "للعام الثالث على التوالي ونحن نعمل لأجل تشغيل العمال، وبخسارة لا تعوض".

ويضيف "صيام": "لا نستطيع تصليح ما يتدمر من المعدات، واضطررتُ كثيرًا لتقليص عدد العمال حتى أعطيهم أجر أتعابهم مثل الأعوام السابقة".

وأكد: "طبيعة عملنا مبنية على الخطر باعتبارنا نعمل في أماكن الضغط العالي والمرتفعة، ولا يستغني الأمر في التعامل مع الحوادث وتعويض العاملين".

وأردف: "وفي حال حصلت إصابة أتكبد مصاريف التعويض. وأتمنى أن تتبع الحكومة نظام التأمين على حياة العمال مثل باقي دول العالم".

ماذا تقول الجهات الرسمية؟

في سياقٍ منفصل، قال عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين سلامة أبو زعيتر: "فرصة عمل لائقة، وحماية اجتماعية، وأجر كريم، وأمل بالمستقبل، هو أقصى تطلعات العمال والخريجين من الشباب والعاطلين عن العمل".

ويشير إلى رصد النقابة 100 حالة تضمنت شكاوى انتهاكات تعرض لها العمال خلال عام 2020. مطالبًا النقابات العمالية بضرورة توثيقها والضغط الحكومي لتعزيز دورها الرقابي.

ينوه إلى أن تداعيات جائحة كورونا أرهقت العمال، وشكلت مدخلًا لاستغلالهم، خاصة بتخفيض الأجور وإعادة الهيكلة وتحميل العمال أيام الإغلاق والحجر الصحي على حسابهم.

وعن التأمين الصحي الخاص بالعمال، يقول "أبو زعيتر": "لا يوجد نص قانوني يلزم المشغل بذلك، وغالبية العمال يرفضونه؛ لأنه في حال نفذّ سيقتطع جزءًا كبيرًا بالنسبة لهم من رواتبهم موازنةً بتحصيلهم اليومي".

ويشيد بضرورة إلزام المشغلين في حال تعرض عمالهم للإصابة في مكان العمل، مع تعويضهم بدل الأيام التي لم يعملوا بها أثناء الإصابة.

193975431_381897659878048_784115725629712283_n.jpg
 

النقابة والمراكز الحقوقية

من جهته، بيَّن، محامي المركز الديمقراطي لحقوق العاملين، علي الجرجاوي، "أن المركز يستقبل مئات الاستشارات عبر الخط السريع أو من خلال الأنشطة التي تنفذها للعاملين والعاملات في قطاع .

ويوضح لـ "وكالة سند للأنباء" أن طبيعة هذه الاستشارات كانت حول قانون العمل الفلسطيني، وأحكامه والإجازات وعقود العمل، وأحكامها، والمخالصات العمالية، ومكافأة نهاية الخدمة، حالات الفصل التعسفي، أحكام عمل النساء.

إضافة إلى التأمين ضد إصابات العمل والصحة والسلامة المهنية واشتراطاتها، وآلية التعويض عن الإصابة ودور وزارة العمل.

كما تبنى المركز الديمقراطي بغزة حوالي 42 قضية تم حل بعضها وديًا وتحويل جزء منها للمحاكم القضائية.

وفي سياق متصل، قال رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، شاهر سعد، إن "155 ألف عامل أنهى عملهم بعضُ المشغلين بالقطاع الخاص، بسبب جائحة كورونا".

ووصلت خسارة العمال بسبب تلك الجائحة مليار ونصف مليار شيكل، "وبذلك يصنف العمال الفلسطينيون بالأكثر فقرًا وسحقًا على مستوى العالم".

وتعطل عن العمل أكثر من 45 ألف عامل من عمال المياومة في القطاعات الاقتصادية كافة خلال أزمة كورونا، بالإضافة لتكبد أصحاب المنشآت خسائر مادية فادحة.

ويشير محامي المركز، إلى قانون الحد الأدنى للأجور الذي ينص على أن الراتب الشهري للعامل يبلغ 1450 شيكلًا شهريًا، 65 شيكلًا للعاملين بالمياومة، و8.5 شيكل للعاملين بالساعة.

ويستطرد: "جميعها بنود وردت في قرار وزير العمل رقم (7) لسنة 2017، المتعلقة بتطبيق الحد الأدنى للأجور".

193955107_148796947296192_7423092649547140571_n.jpg
 

ارتفاع معدل البطالة

وكشف الجهاز المركزي للإحصاء في تقرير عن واقع العمال ، ارتفاع معدل البطالة في فلسطين عام 2020 إلى 26 في المائة مقارنة مع العام الذي سبقه بحوالي 25 في المائة.

ورصد التقرير أن معدل البطالة بين الشباب الفلسطيني وصل لـ"39 في المائة"، وسط فجوة واسعة بين الضفة الغربية والقطاع ،و تظهر الأرقام أن 24 من الشباب في الضفة يعانون البطالة مقابل 67 في المائة في غزة..

وبجانب الظروف الاقتصادية عاني أصحاب المهن من تأثيرات عدوان اسرائيلي بدأ في العاشر من مايو/ أيام الماضي ، استمر لـ11 يوماً تضررت فيه 300 منشاة اقتصادية وصناعية وتجارية.

وهدم  الاحتلال خلاله 7 مصنع بشكل كلي، وألحق أضراراً  بأكثر من 60 مرفقاً سياحياً، الأمر الذي قلل من تشغيل الأيدي العاملة في القطاع وأوقف عمل الكثيرين منهم .

google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk